حدیث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول التطورات التي طرأت على القضية الفلسطينية وقضايا أخرى
حدیث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول التطورات التي طرأت على القضية الفلسطينية وقضايا أخرى
بيروت
س - قيل الكثير على لسان مسؤولين عرب في اللجنة السباعية الأولى في عمان، واللجنة السباعية الثانية واجتماع وزراء الخارجية العرب، عن مسألة تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، وعن ضرورة التعاطي الإيجابي مع الإدارة الأمريكية الجديدة، بينما صدرت مقررات عن القمة التي قاطعتموها مختلفة عن هذا الكلام فما هي الحقيقة؟
ج - لم يصدر أي كلام رسمي عن هذه المواضيع، وإنما هي تقولات في الكواليس من بعض الذين يريدون أن يشوشوا على أعمال اللجنة السباعية، هذه اللجنة مؤلفة بقرار من مؤتمر وزراء الخارجية الذي عقد قبل ستة اشهر وأكثر، وكلفت اللجنة وضع خطة إستراتيجية للعمل العربي تعرض للمرة الأولى على قمة عربية، وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعات عدة انصب العمل فيها على ورقة العمل السورية-الفلسطينية المقدمة للجنة السباعية في أول اجتماع لها، بعد ذلك أضيفت إليها تسع نقاط عراقية وخمس نقاط جزائرية وملاحظات بعض الدول العربية، وفي الوقت نفسه قدم العراق ورقة عمل اقتصادية، لذلك فإن الكلام في الكواليس حول سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة، لا علاقة له بأعمال اللجنة السباعية من قريب أو من بعيد، أما مسألة التمثيل الفلسطيني فمن نافل القول إن تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني لم يكن عبر الاعتراف الرسمي، بل من خلال النضال المستمر لشعبنا داخل الأرض المحتلة وخارجها، هذا يؤكد مرة أخرى أن تمثيل المنظمة ليس موضوع مراجعة أو بحث، ولا يحق لأحد ولا في مقدور أحد التحدث عنه أو مراجعته أو التشكيك فيه، مع أنني لا أحب تعبير التشكيك، فخرنا أننا أدخلنا في القاموس الثوري ديمقراطية فريدة في نوعها، هي الديمقراطية الثورية لغابة البنادق، نحن منتخبون انتخابًا ديمقراطيًا، ولدينا مؤسسات تشريعية سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، ورغم عدم تكاملها فإن تطورها يعتز به شعب يعيش ٤٠ في المئة منه تحت الاحتلال، و٦٠ في المئة في الشتات.
أما في مسألة التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة فلنتكلم عن الحقائق، من مزايا الثورة الفلسطينية أنها ليست سطحية وأنها تفهم في مجرى الأحداث في لعبة الأمم حتى الحريقات السياسية الصغيرة فيها، هذه الدول الكبرى لا تضع سياستها وإستراتيجيتها عند مجيء رئيس وذهاب رئيس؛ لأن حجم الرئيس في القرار الأمريكي يتراوح بين ١٥ في المئة إذا كان ضعيفًا، و٢٥ في المئة إذا كان قويًا، أما بقية القرار فتتخذه الأجهزة الأخرى، على سبيل المثال: أتساءل عندما يقولون إن ريغان جاء ليستعرض عضلاته، ألم يستعمل كارتر عضلاته؟ من جاء بالأسطول السابع من مياه الفليبين إلى المحيط الهندي، من أنشأ الأسطول الخامس في دييغو غارسيا، ومن افتعل مشكلة الصواريخ في أوروبا؟ لم يكن كارتر هو الذي يتخذ هذه القرارات بل المؤسسات الأمريكية التي تدير هذه السياسة الإستراتيجية.
س - إذا لم يطرح التمثيل الفلسطيني، والتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، فلماذا قاطعتم القمة؟
ج - القمة موضوع آخر، نحن نريد قمة تجمع، ومنطلقنا كان الوصول إلى موقف عربي موحد متضامن، ومن هنا كانت جولتي على الدول العربية للوصول إلى حل يرضى عنه الجميع، بالنسبة إلى زمان عقد المؤتمر، كان هناك اجتهادان، الأول يقول بضرورة عقد القمة فورًا وآخر يقول بتأجيلها؛ لأن هناك خلافات عربية لا يمكن أن تحل، والدليل عقد القمة في غياب ستة أعضاء، وفي جولتي العربية قدمت في سبيل الحل مبادرتين: الأولى تأجيل المؤتمر لفترة معينة، ثم تقدمت بمبادرة أخرى مع الجزائر تقول بتكوين لجنة سعودية-كويتية-جزائرية، تقوم بجولة سريعة على الدول العربية لتنقية الأجواء، بحيث نذهب كلنا.
هذا لم يمنعني من القيام بمبادرة أخيرة، اتصلت بالرئيس الشاذلي بن جديد وتقدمت وإياه بمناشدة إلى الملك حسين بعد صدور قرار وزراء الخارجية بعقد القمة في موعدها، ففوجئت أن الملك حسين رفض أن يقابل وزير خارجية الجزائر ورئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير، واكتفى بمقابلتهما وزير الخارجية مروان القاسم وحسن إبرهيم وزير الدولة الأردني، التطور الآخر.
إن رئيس الجلسة أعلن قرار عدم التأجيل بعد إجراء مشاورات استثنى منها رئيس المجموعة العربية، في هذه الفترة أي منظمة التحرير الممثلة بأبو اللطف، على الأقل، ذوقًا وبروتوكولًا وطبقًا للتقاليد المتبعة عليهم انتظار نتائج جولتي العربية قبل إعلان قرار عقد القمة في موعدها، لهذه الأسباب مجتمعة اتخذنا قرار مقاطعة القمة.
س - إذن، كنت ترى من البداية أن أسباب التأجيل مقنعة؟
ج - بلا شك، الشيخ جابر الأحمد قال لي إنه يقبل بالتأجيل لمدة شهر من أجل أن تأتي سوريا، إن من حق أي دولة بسبب ظروفها طلب تأجيل القمة، فما بالك بسوريا دولة المواجهة الأولى بعد سقوط القلعة المصرية وخروج الجيش المصري من الصراع العربي-الإسرائيلي؟ الجيش السوري أراد المتحذلقون أم رفضوا، يتحمل المسؤولية الأولى في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، من هنا لسوريا حق في أن تراعى إذا طلبت تأجيل القمة.
س - لكن هناك منطقًا عربيًا يقول بحل الخلافات داخل القمة وليس خارجها؟
ج - هذا المنطق غير صحيح، لأننا نحل دائمًا مشاكلنا عندما تكون معقدة قبل القمة، كما حصل في قمة القاهرة التي عقدت بعد مؤتمر الوساطة في الرياض حول أحداث لبنان، وحين كانت هناك مشاكل بين عبد الناصر وفيصل اجتمعا قبل أن يذهبا إلى قمة الخرطوم، إذن هناك سوابق تسمح بالتجاوب مع الطلب السوري.
س - المنظمة تتحصن داخل ثلاث دوائر، الأولى: التمثيل الفلسطيني، والثانية: المبايعة العربية، والثالثة: التأييد الدولي والإسلامي، فهل تعتبرون بروز الخيار الأردني ثم الخلاف العربي حول القمة وانفراط الإجماع الإسلامي، بسبب الحرب العراقية–الإيرانية دلائل خطرة على الإجماع حول المنظمة، وبالنسبة إلى قوتها على التأثير الدولي؟
ج - الخيار الأردني ليس مطروحًا منذ الآن، بل من أيام يغتال آلون، وإذا عدنا إلى مذكرات تشرشل نجده يتحدث عن الأردن قبل صدور قرار التقسيم، إلا إن هذا لا يعني أن في إمكان أحد فرض هذا الخيار على شعبنا تحت أي ظرف من الظروف.
الملك حسين يعرف هذا الكلام والدول العربية تعرف هذا أيضًا وبعض رجال الإدارة الأمريكية أيضًا، وليم كوانت يقول: إننا سنعمل على الأردن في المرحلة المقبلة، لكن هذا لن يكون الحل لأننا نعلم أن حل المشكلة لا يكون إلا عبر الفلسطينيين، في النهاية شعبنا هو الذي يقرر، عندما حمل البندقية حمل معها الإرادة، وهذه الإرادة هي التي تثبت وجوده، نحن الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، مئات البرقيات جاءت في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، من الرفيق بريجنيف إلى رؤساء الاتحادات الإفريقية والأوروبية والأمريكية، غير التي أرسلت مباشرة إلى الأمين العام للجامعة العربية.
أما في الحلقة العربية فما نراه في القرارات التي صدرت في غيابنا يدلل على أهمية منظمة التحرير الفلسطينية؛ لأن هذه القضية هي ضمير الأمة العربية، وهذا ما لا يستطيع فهمه الكومبيوتر الأمريكي، المطران كبوجي فيها مثل الشيخ أبو طير.
نأتي إلى الحلقة الإسلامية، لا شك في أن الحرب العراقية-الإيرانية مشكلة ونحن من أول الذين أعلنوا وقوفهم ضد هذه الحرب، وأول الداعين إلى وقف هذه الحرب بأي ثمن، طبعا أنا أعرف أنه ما زالت بعض العقبات في سبيل وقف هذه الحرب، ووقف إطلاق النار يحتاج إلى مجهودات مكثفة، اليوم قائد سلاح البحرية الإيرانية قال وهو يتكلم عن معركة: إن أهم ما يميزهم أنهم مع الفلسطينيين، في الوقت نفسه يقول مسؤولون عراقيون كلامًا أقوى من هذا، وعندما قمنا بمبادرتنا قالوا: لن نقبل بأي عربي يكون وسيطًا إلا منظمة التحرير، لسنا وسطاء ونرفض هذه الصفة، نحن نقوم بمساع خيرة من أجل وقف هذه الحرب المدمرة، إلا إنها ليست أول مشكلة تواجه أمتنا الإسلامية، حصلت مشاكل كثيرة لا تقل خطورة عن الحرب، كل واحدة في ظروفها، ولكن هذا لا يعني أن تؤثر هذه على الثوابت الأساسية للأمة الإسلامية تجاه القضية الفلسطينية، في زمن الحرب تجتمع لجنة القدس في فاس ثم يجتمع مؤتمر وزراء الخارجية بدعوة من المنظمة ويتخذون قرارات تؤيد الجهاد الفلسطيني، بعض الدول تحتفل منذ أسبوع بيوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، من يحاول أن يتهرب من حقيقة المنظمة كمن يحاول إخفاء الشمس بأصبعه.
الأصبع يخفي العين لكن لا يخفي الشمس، كما يتحدث الإسرائيليون إنهم لا يعترفون بالشعب الفلسطيني، إذن يحاربون من؟ أشباحًا؟ في شفا عمرو والناصرة والضفة الغربية وغزة يحاربون الأشباح؟
س - إذا بقي الرئيس ريغان على موقفه من منظمة التحرير طوال سنوات حكمه الأربع، فهل ستبقى المواجهة الفلسطينية للموقف الأمريكي كما كانت أيام الرئيس كارتر؟ أم إنكم ستبادرون؟
ج- صدقني، ولست في هذا مغاليًا، نحن لم نضع في حسابنا في لحظة من اللحظات أنه يمكن أن يأتي رئيس يعطي أو رئيس يأخذ، نحن سنأخذ ما نريد من خلال نضالنا ومن خلال جميع الشرفاء الذين يقفون معنا، بما فيهم بعض الأوساط الأمريكية التي بدأت تتفهم قضيتنا، مثال على ذلك: إنني تلقيت ثلاث دعوات من جمعيات كنسية مسيحية لزيارة الولايات المتحدة، واحدة في أتلانتا والثانية في واشنطن والثالثة في نيويورك، هذا غير علاقاتنا مع القوة السوداء والمناضلين التقدميين، خاض اليهود معركة ضد السناتور فندلي، وكانت الحملة مركزة على أنه صديق ياسر عرفات، واعتبروا أن هذه النقطة التي سينالونه فيها لإسقاطه، النتيجة: إن فندلي اكتسح خصمه.
س - لماذا فشل كل المال العربي النفطي في فتح حوار بين المنظمة والمؤسسات التي تتحكم بالقرار الأمريكي؟
ج - لأنه لم يستخدم، ماذا استخدمنا من أسلحتنا؟ ليس المال فقط ما لم نستخدمه، نحن لم نستخدم كل قوتنا العسكرية، ولا قوتنا البشرية، ولا كل قوتنا المالية والنفطية، ولا موقعنا الإستراتيجي، للتاريخ أقول: إننا لم نستخدم أسلحتنا حتى الآن، في الوقت الذي استخدم فيه الرئيس كارتر الألعاب الرياضية ضد السوفيات، والقمح والسياحة، وحتى قمح كندا.
س - لماذا لم تستطع منظمة التحرير دفع الأوضاع العربية إلى استخدام هذه الأسلحة؟
ج - هذا ما نحاوله، ولم نتوقف لحظة عن ذلك.
س - منذ ١٧ سنة؟
ج - هذه مدة قصيرة في عمر الشعوب، الغزوة الصهيونية ليست احتلالًا عاديًا، بل هي احتلال استيطاني، وأمتنا جابهت مثل هذا الاحتلال وانتصرت عليه، جاءها التتر، وجاءها الفرنج التي تسمى الحروب الصليبية خطأ؛ لأن المسيحيين العرب قاتلوا إلى جانب المسلمين، نحن مع تيار التاريخ ولا بد أن ننتصر، في حديث لغولدمان قبل أن يموت بن-غوریون قال: ذهبت لزيارته فوجدته مكتئبًا سألته عن السبب فقال: لأنني أعرف أين سأدفن، بينما لا أعرف أین سیدفن ابني عاموس، المتحدث هو ما يسمى بنبي إسرائيل؛ لأنه هو الذي أعلنها وتحدى بعض المخالفين له داخل الوكالة اليهودية بإنشاء الدولة الإسرائيلية.
س - وليام سايمون، وجوزف شولتز مسؤولان كبيران في الإدارة الأمريكية الجديدة، سواء اشتركا أم لم يشتركا فيها، يعملان في شركة مقاولات معظم أعمالها في السعودية، لماذا لا يستفاد من هذه العلاقات لشرح الموقف الفلسطيني؟
ج - هل هذا هو التقصير فقط؟ هناك نقطة أساسية، حتى الآن لم يستخدم العرب أسلحتهم الإستراتيجية، نحن فقط استخدمنا جزءًا يسيرًا جدًا في المواجهة، إسرائيل تعتمد على الفرقة العربية التي تبدد المجهود العربي.
س - هل تباحثتم مع المسؤولين السعوديين في الحوار مع الإدارة الأمريكية عبر هذه الاستثمارات المالية الكبرى؟
ج - لا، ولكن نحن طرحنا هذه الأسئلة في كل مؤتمرات القمة، وأنا أريد أن أذكرك بقرار صدر في قمة تونس ويقول: إذا استمرت السياسة الأمريكية في موقفها السلبي تجاه القضية الفلسطينية؛ فإن هذا سيؤثر تأثيرًا كبيرًا على علاقاتها مع الدول العربية، كانت المرة الأولى التي ترد مثل هذه الإشارة في مؤتمرات القمة، وسنتابع هذا الكلام ولن نتوقف، لقد اكتشف صانعو السياسة في البيت الأبيض ذلك، فيما حاولوا إثارته في المؤتمر الإسلامي وبعدما حدث في أفغانستان، اكتشفوا أن الحصان الإسلامي ممسوك من كعبه، وهذا الكعب فلسطيني، لأننا قبل أن نبحث عن الإسلام في أفغانستان فلنبحث عن أولى القبلتين وثاني الحرمين، فإذا بالمجتمعين من أجل أفغانستان يصدرون قرارات عن القضية الفلسطينية، مع هذا، نحن نعرف أن هنالك جهودًا ضخمة ليس علينا نحن أن نبذلها فقط، بل على كل الدول العربية أن تستخدمها.
س - لكن هذه الأسلحة لم تؤثر على كارتر في موضوع «كامب ديفيد»؟
ج - لأنها لم تستخدم، لقد قلت هذا الكلام في قمة بغداد، وفي مؤتمر وزراء الاقتصاد والخارجية العرب وسبب ضجة كبيرة. على الأمة العربية أن تستخدم كل أسلحتها، ونحن قادرون، لا أريد أن أدخل في التفاصيل حتى لا أخرج أحدًا، لكننا طرحنا خططًا في هذا السبيل وهي بين يدي المسؤولين العرب كلهم.
س - لا تجاوب حتى الآن؟
ج - نرجو، نرجو أن تشهد المرحلة المقبلة تجاوبًا.
س - إذا سار الملك حسين في الخيار الأردني، فهل ستكون ردود الفعل الفلسطينية والعربية شبيهة بردود الفعل على الرئيس السادات؟
ج - أفضل أن ندع هذا السؤال إلى أن يحدث، حتى الآن رغم كل المحاولات التي تقول بالخيار الأردني، فأنا أنتظر كيف سينفذون الخيار الأردني، رغم قرار حزب العمل وكلام السادات وريغان عن الأردن، فليتفضلوا، كان كارتر أشطر منهم وبريزنسكي قال: وداعًا لمنظمة التحرير، أين بريزنسكي الآن؟
س - هل هذا الكلام يعني إنكم تنتظرون تغييرًا نوعيًا في النضال الفلسطيني؛ للتأثير على القائلين بالخيار الأردني من ريغان إلى بيريس؟
ج - بلا شك، المقاومة تتصاعد في كل الميادين كمًا ونوعًا، كما يحدث في الأرض المحتلة من 48 أو 76، أو خارج الأرض المحتلة، أو في المحافل العربية والدولية والإسلامية.
س - ما هي الحلول الفلسطينية أو الموقف من التوتر على الحدود السورية-الأردنية؟
ج - أنا آسف للتوتر على الحدود السورية-الأردنية، إسرائيل أعلنت دفع قوات مدرعة في اتجاه منطقة العرقوب وزيادة القوات الموجودة فيها، طبعًا وأنا أرجو مخلصًا ألا يحدث شيء على الحدود بين سوريا والأردن.
س - الإعلام السوري والتصريحات الرسمية يقولان: إن الحشود على الحدود الأردنية سببها الموقف الأردني من موضوع الفلسطينيين، وإن الأردنيين يريدون أن يذهبوا إلى الولايات المتحدة وإلى أوروبا، وإنهم يبيعون القضية الفلسطينية؟
ج - هذا الموضوع حسم في مؤتمر وزراء الخارجية، وصدرت قرارات عن مؤتمر وزراء الخارجية تقول: إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي المتحدث الرسمي باسمه في كل المحافل الدولية ولكن من خلال القرار العربي الموحد الذي تقره الأمة العربية، طبعًا التصعيد موجود، لكنه ليس سوريًا ولا أردنيا فقط بل في الجنوب، ولا أريد أن أزيد على ذلك؛ لأنني واثق من حكمة الرئيس الأسد.
س - ما هو التقييم الحقيقي الذي قدمته الثورة الإيرانية إلى المقاومة الفلسطينية؟ هناك كلام كثير عن علاقات إيجابية، وفي بعض الأحيان علاقات سلبية، وإن الثورة الإيرانية تتصرف وكأنها أكثر ثورية، وتزايد في ثوريتها على العرب، وهل صحيح أن الثورة الإيرانية قدمت شيئًا إلى الثورة الفلسطينية غير الموقع الإستراتيجي الذي تحدثتم عنه دائمًا؟
ج - قدمت لنا أهم شيء، أنها أطاحت أكبر قاعدة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة، وإحدى أهم الركائز الثلاث التي كانت تعتمد عليها أمريكا في المنطقة: إسرائيل، والسادات، والشاه.
س - بعض العرب يقول إن الثورة الإيرانية أطاحت بالشاه، وهذا كلام سليم مئة في المئة، لكنها في الوقت نفسه أيقظت مشاكل مذهبية في معظم الدول العربية، بشكل أثر على وحدة القرار العربي، وعلى وحدة الموقف داخل الدول العربية؟
ج – لا، هذه هي المقولة التي يرددها من يريد أن يخلق بلبلة في الوضع العربي، وبيننا وبين الإيرانيين، الثورة الإيرانية ليست انقلابًا عسكريًا، الثورة الإيرانية تحمل كل مفاهيم الثورة وكل ما يمكن أن يكون في الثورة، وكل ما فيها من اجتهادات بغض النظر عن رأينا في هذه الاجتهادات، لكن لا تنس أنني قلت بعد الوفاق القومي وصدور ميثاق العمل القومي بين سوريا والعراق وبعد نجاح الثورة الإيرانية قلت: الآن عمقنا الإستراتيجي من صور نجد اليوم مشاكل بين حتى خراسان-للأسف-سوريا والعراق وبين سوريا والأردن، لكن من ينظر بالمنظار الإستراتيجي التاريخي، يتأكد مثلي أننا سنتغلب على كل المشاكل والمتاعب وكل الأمم التي بنت حضارتها شهدت هذه الصعوبات: الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، والثورة الصينية، المهم أن تكون لنا رؤية إستراتيجية.
س - ننتقل إلى الوضع الدولي الإستراتيجي، هل تعتقد أن المعاهدة السورية-السوفياتية تساعد في التحرك السياسي والدبلوماسي لمنظمة التحرير؟
ج - ما دخل منظمة التحرير الفلسطينية في الذي تقرره سوريا؟
س - سوريا دولة حليفة وعضو في جبهة الصمود والتصدي؟
ج - قوة سوريا قوة لها استقلاليتها: لا أنا أستطيع أن أؤثر على قرارها السياسي، ولا هي تؤثر على قراري السياسي.
صحيح إننا من خلال هذه العلاقة المتميزة بيننا وبين سوريا باعتبارنا القوتين اللتين التقتا بعد حرب ۱۹۷۳ في مواجهة العدو الصهيوني، وهذا يفرض علينا تنسيقًا خاصًا على كل المستويات السياسية والعسكرية، ولكن لا السوريون أوصياء على قراري ولا نحن أوصياء على قرارهم، لكن أي قوة لسوريا هي قوة لي وأي قوة لي هي قوة لسوريا.
س - معروف أن الخيار الدولي لمنظمة التحرير ليس محددًا بدقة، بمعنى أن المنظمة تريد الجميع إذا ما وافقوا على ما تريده هي، البعض من الغربيين مثلًا يقول: إن منظمة التحرير إذا ما تسلمت الدولة الفلسطينية فهذه الدولة ستكون راديكالية، البعض الآخر يقول: إن منظمة التحرير قد يكون لها، في حال الحكم، ميول غير راديكالية، ما هو هذا الخيار الدولي؟
ج - هناك مثل مصري يقول : «ما لقوش في الورد عيب قالوا يا أحمر الخدين»، أما الذي أعتز به فهو أننا ثورة ديمقراطية، وديمقراطيتنا الثورية هي تجربة فريدة قدمناها للعالم، أنا لا أستطيع أن أفرض على أي شبل في الثورة ما يفكر فيه، لكن أنا، كرئيس لمنظمة التحرير، أنفذ ماذا يريده هذا الشبل وهذه المرأة وهذا الشيخ من خلال إرادتهم المشتركة.
س - لكن بعد ١٧ عامًا لا بد أن تكون قد تشكلت إرادة سياسية، ليس هناك طرف لا خيار دولي له.
ج - نحن دولة تقدمية لنا مكانتنا بين دول عدم الانحياز، أنا أفتخر بهذه المكانة، نحن الآن لنا دور فاعل سيكون أكثر فعالية عندما تكون لنا دولة مستقلة.
س - معظم دول عدم الانحياز لديها ميل إلى الراديكالية؟
ج - نحن دولة تقدمية، ولا نقبل لأنفسنا إلا أن نكون تقدميين، والذين ليسوا تقدميين ليسوا ثوارًا، لذلك سنكون دولة تقدمية من ضمن مجموعة دول عدم الانحياز وهذا هو الواقع.
س - ما هو خياركم الاقتصادي؟
ج - عندما نصل إلى الدولة سيختار برلماننا برنامجه الاقتصادي، ولن أفرض، طالما أنا على قيد الحياة وفي موقعي، لن أفرض على شعبي خيارًا اقتصاديًا، هذا هو الأسلوب الديمقراطي ولن نحيد عنه، فما يختاره الشعب نفسه بعد الانصهار في دولة مستقلة هو الذي سيفرضه.
س - ماذا عن إستراتيجيتكم العربية؟ حافظت الثورة منذ ١٧ سنة على إستراتيجيتين: إستراتيجية العلاقة مع الأنظمة العربية، ومع الشعوب أيضًا؟
ج - نحن ثورة فلسطينية الوجه، عربية القلب، عالمية الأبعاد والجذور، لذلك نحن جزء لا يتجزأ من حركة التحرر العالمي، ولنا مكانة في حركة دول عدم الانحياز في مكتب التنسيق والرئاسة، رغم أننا لسنا دولة.
س - هناك أطراف عربية تقول إن الثورة الفلسطينية يجب أن تكون عاملًا مساعدًا له على تحقيق ما يريدون في حق هذا النظام أو ذاك، لا أن تدعم النظام؟
ج - نحن جسر ثقة، وسنظل جسر ثقة بين البلدان العربية، وجسور ثقة في المنطقة العربية.
س - جسور ثقة لمصلحة من؟
ج - لمصلحة مستقبل أجيالنا، ومستقبل أبنائنا، ومستقبل مكانتنا كأمة عربية، في هذا الكوكب وتحت هذه الشمس.
س - بعد ۱۷ سنة كانت توجد رهانات عربية كثيرة على مدى مساعدة هذه الثورة لقيام ثورات أخرى؟
ج - نحن لسنا وكلاء لأحد، نحن نقوم فقط بعملنا الثوري وندعه يتفاعل في المنطقة العربية، ومن هنا هذا العنف الذي نواجه به، لأن انتصار الثورة الفلسطينية هو تحول إستراتيجي في المنطقة.
س - هل تعتبرون العمل الفدائي من جنوب لبنان كما كان حتى الآن هو الوسيلة الكافية للتحرك العسكري؟
ج أنا أتحدى أن نكون قمنا بأي عملية عسكرية من الحدود اللبنانية، منذ أن أعطيت كلمة شرف بوقف العمليات.
س - لقد وقعت عمليتان منذ أسبوعين: قصفت المستعمرات الحدودية وقبضت قوات الطوارئ على دورية متسللة؟
ج - ليس صحيحًا، أرجوك، قبض على المجموعة داخل الأراضي اللبنانية، نحن نقاتل العميل سعد حداد من ضمن واجبنا في القوات المشتركة، أما بالنسبة إلى قصف المستعمرات، فكان هنالك قصف معاكس لمصادر المدفعية التي كانت تقصف النبطية والقرى المحيطة بها، فنحن التزمنا وما زلنا ملتزمين بعدم القيام بأي عمليات عسكرية من الأراضي اللبنانية، ليس هذا عن ضعف لكن عن قناعة، قناعتنا أنه لا يجوز أن نحمل الحلقة الضعيفة العربية الآن، وهي لبنان، العبء العسكري، لكن هنالك من يقع في الخطيئة السياسية ويتناسى، بعدما التهمت الصهيونية العالمية بلدنا فلسطين بدأت تفتش لها عن جزء آخر من هذا المحيط العربي، فالآن هنالك حديث في الكنيست الإسرائيلي عن التهام الجولان رسميًا وضمه رسميًا إلى أرض إسرائيل.
الناس تنسى للأسف أن موشيه شاريت في مذكراته قال: نحن نبحث عن ميجور، فوجدوه في سعد حداد.
المرحلة الثانية في المخطط الصهيوني العالمي هي ابتلاع لبنان، في الأول يتكلمون عن المياه ويدعون أنني أنا الذي منعت الحكومة اللبنانية من الإفادة من مياه الليطاني، أريد أن أسأل من الذي منع الإفادة من مياه الليطاني؟ أنا أم إسرائيل؟ لماذا حدثت الحرب في لبنان؟ الذي يقرأ مذكرات روجرز موريس يتضح له دور الإدارة الأمريكية في أحداث لبنان، دور المخابرات الأمريكية المركزية، ودور كيسنجر نفسه، ففي خيال كيسنجر السلام الذي كانت تعد له الإدارة الأمريكية وهو السلام الإسرائيلي المفروض على مصر، قبل سنتين صدر قانون في مصر لم تعرف أسبابه يقول إن من حق الشركات التي تستثمر الأراضي أن تستملكها بعد ٥٠ سنة، واتضح فيما بعد أن شركات يهودية تستثمر مئات الآلاف من الفدادين في مصر، أصبحت إسرائيل تملك، باسم شركات استصلاح الأراضي، مئات الآلاف من الفدادين تعود إلى حرب لبنان، لماذا حدثت هذه الحرب؟ لأن هنالك قرارًا بضرب المصرف العربي الذي هو لبنان، وفي السلام الأمريكي-الإسرائيلي الذي سيفرض على المنطقة، يجب إنهاء المصرف العربي، وعندما يأتي السلام الأمريكي-الإسرائيلي المفروض على المنطقة، يجب أن ينتقل هذا المصرف إلى تل أبيب، إذا كان لا بد من ضرب المصرف العربي، وعندما وضعوا في عقل بعض الزعماء ضرورة التخلص من الفلسطينيين بالقضاء عليهم، ما زلت أذكر واحدًا منهم قال لي: نحن نخلص عليكم في 11 يومًا، أود أن أسألك سؤالًا: من الذي يمنع الآن وصول سعد حداد طوال هذه المدة من أن يحتل العيشية حتى جزين؟ من؟ في جيب ٨ كم لا توجد فيه قوات الأمم المتحدة، توجد مذكرات رسمية بيني وبين الأمم المتحدة وحديث من فالدهايم إلى أور كارت ملی أرسكين، ماذا تتركون هذه الجيب؟ قال لي مسؤول عسكري: لقد منعنا الإسرائيليون من سد من الجيب، لأن هذه الثغرة يريدونها منفذًا لهم على أن يصلوا، ماذا يمنع سعد حداد من الوصول إلى النبطية؟ لولا الدم اللبناني والفلسطيني المراق يوميًا، بينما لم يستطع الجيش اللبناني أن يتقدم بعد كوكبًا، كما لم يستطع هذا الجيش الموجود في القطاع الأوسط مع القوات الدولية أن يمنع احتلال 5 قرى، نحن لا نقوم بعمليات عسكرية إطلاقًا.
س - ماذا تستفيد المقاومة الفلسطينية سياسيًا بمفهومها النضالي للوجود العسكري في الجنوب؟
ج - أنا لست موجودًا فقط في الجنوب، أنا عندي قوات موجودة في سوريا، وفي لبنان، وفي الأردن، كانت لي قوات موجودة في مصر وما زالت مؤخرتها موجودة في مصر، هذه قرارات الجامعة العربية، عندي قوات موجودة في العراق.
س - القوات العسكرية الفلسطينية موجودة بقرارات من الجامعة العربية؟
ج - طبعًا في اتفاقية، مثل القوات الموجودة في سوريا باتفاق مع الحكومة السورية، مثل القوات الموجودة في الأردن، والعراق، ومصر، ولبنان، هنالك اتفاقات متفق عليها لبنانيًا رسميًا وعربيًا رسميًا.
س - هل تعتبرون تبادل البرقيات بينكم وبين الرئيس سركيس بداية حوار لبناني-فلسطيني؟
ج - لم يتوقف لحظة واحدة الاتصال بيننا وبين الرئيس سركيس، أنا أذكر أن أخي أبو إياد ذهب إلى الرئيس سركيس قبل معارك عين الرمانة الأخيرة وقابله تحت الخطر، لقد قلت في برقيتي إن لبنان لن يكون مقرًا بل فقط ممرًا للثورة، ونحن لن ننسى موقف الشعب اللبناني، لسوء حظه أن لبنان هو الخطوة الثانية في الإستراتيجية الصهيونية العالمية، نحن مع هذه الشرعية التي تمثل كل لبنان وليس جزءًا من لبنان، ونحن مع أمن وسلام لبنان واستقراره، عندما يستريح ظهرك تستطيع أن تتقدم، أمن لبنان هو أمن الثورة الفلسطينية، وحدة لبنان هي وحدة أمتنا العربية، من يقول بالتقسيم يضع بذرة من بذور التقسيم في البلاد العربية.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1980، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1981. ص 397، 398، 339، 400، 401،402.
صحيفة النهار العربي والدولي، باريس، العدد ۱۸۸، 8–14/12/1980 ص ١٦–٢٣.