حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول بعض الأمور الراهنة
حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول بعض الأمور الراهنة
س - كإنسان عربي مقاتل من ١٥٠ مليون عربي، لا بد أن قلبك على لبنان، وعلى الوضع الداخلي، خاصة الوضع المتردي بالنسبة إلى الحكومة والأمن.
ج - بالنسبة إلى موضوعي الحكومة والأمن، أنا لا علاقة لي بهما إطلاقًا، وهذا حقيقي، كما إنني لا أرغب أن تكون لي أية علاقة بهما، لا من قريب ولا من بعيد، وأنا أقولها مخلصًا، وأتحدى أن أكون، في يوم من الأيام، تدخلت في شأن من شؤون لبنان الوزارية أو الأمنية.
س - للمرة الثانية تقول إنه "لا علاقة لي بالأمن في المنطقة الغربية" بينما سكان هذه المنطقة الذين وقفوا مع المقاومة في قضية تحرير فلسطين، يريدون أن تقف معهم في قضية الأمن.
ج - إن مجرد أن أقدم كل التسهيلات لقوات الأمن وقوات الردع العربية، يعني وقوفي الحقيقي إلى جانبهم، وليس تدخلي في الأمن هو مساعدة السكان، تدخلي في الأمن يعني اعتداء على الشرعية، ويعني السماح لبعض عناصري، من خلال تدخلي في الأمن، أن يتجاوزوا، والسماح لعناصر أخرى باسم هذا التدخل الفلسطيني أن يلبسوا الرداء الفلسطيني ويتجاوزوا به.
س - لكن هناك قناعة أن السيطرة الرئيسة في المنطقة الغربية هي لك؟
ج - هذه القناعة غير صحيحة، السيطرة الحقيقية هي للسلطة الرسمية الممثلة بالرئيس سركيس، والممثلة ب ٣٢ ألف جندي من قوات الردع العربية، بالإضافة إلى العدد الذي وصل إليه الجيش اللبناني، وأعتقد ٢٧ ألف جندي، أنا أعطيك أرقامًا، فلماذا إعطاء شعارات من هذا النوع؟
س - والمقاتلون الفلسطينيون؟ لم تذكرهم، لا سيما أن المنطقة الشرقية تتهم مسلمي لبنان أنهم تحت السيطرة الفلسطينية.
ج - «مسلمي لبنان»، أولًا أنا أرفض التسمية، أي: مسيحيو لبنان ومسلمو لبنان، أنا أرفض هذه المقولة كفلسطيني أولًا؛ لأن هذا الموضوع غير متواجد في الساحة الفلسطينية، وثانيًا أرفض هذه المقولة في الأحداث اللبنانية؛ لأن الحرب اللبنانية لم تكن بين مسيحيين مسلمين، ولو كانت هكذا، ما قتل طوني فرنجية، ولا وقعت مذابح الصفرا وعين الرمانة، والمذابح الأخرى، ولو أردت إحصاءها لوصلت إلى نتيجة أن ما قتل خلالها في المنطقة الشرقية يعادل أضعاف ما قتل في كل الحوادث الماضية بالأرقام.
س - يعني أنك الآن برأت الحرب اللبنانية خاصة في مرحلتها الأخيرة من وجهها الطائفي.
ج - طبعًا، الحرب منذ البداية لم تكن طائفية، الحرب اللبنانية كانت عبارة عن مؤامرة أمريكية-إسرائيلية ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، وأنا عندي الدلائل لهذه المؤامرة، أول دلیل، من المحادثات التي جرت بيني وبين المرحوم الرئيس اليوغسلافي تيتو يوم ١٢/٥، حيث قال لي قبل ثلاثة أيام من وصولك لزيارتي، زارني هنري كيسنجر وقال لي، إن قرارات الرباط أسقطت كل الحسابات، وحذرني يومها تيتو، ولقد أبلغت أنا هذه المحادثات وهي مسجلة لدي ولدى الجانبين السوفياتي واليوغسلافي يوم ٢١ شباط فبراير ١٩٧٥، اغتيل معروف سعد في صيدا، أي في أقل من شهرين ونصف الشهر بدأ تنفيذ المؤامرة؛ كي تتوغلوا أكثر في التفاصيل، يكفي أن أحياكم إلى مذكرات روجرز موريس، وهو أحد أساطين المخابرات المركزية الأمريكية، الذي عمل فترة طويلة مع كيسنجر، وفيها يحكي بوضوح عن الدور الأمريكي، أو التورط الأمريكي في الحرب اللبنانية القذرة ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، وتقديري، حسب المنظور الإستراتيجي، أنها جزء من خطة كيسنجر للسلام الإسرائيلي-الأمريكي في المنطقة.
امتاز لبنان، بأنه المصرف العربي، وهذا شيء هام، بلد خدمات إنما يضم المصرف العربي، يعني أن أنجح مصرف في المنطقة العربية هو المصرف اللبناني، جميع الأموال العربية، كانت تمر عبر المصرف اللبناني، كانت المصارف في العالم تتنافس كي تجد مرقد عنزة-كما تقولون أنتم في لبنان-في شارع المصارف في بيروت، لماذا؟ أمام خطة السلام الأمريكية-الإسرائيلية، التي كان يخطط لها كيسنجر، والتي كشفت بعد ذلك من خلال خطة خطيرة لعدد من المفكرين الإسرائيليين، حيث قالوا: إن المنطقة في السلام الذي يحاولون حتى الآن فرضه عليها مقسمة إلى ثلاث دوائر.
الدائرة الأولى: ومركزها تل أبيب، وفيها العقل.
الدائرة الثانية: دائرة اليد العاملة للدائرة الأولى.
الدائرة الثالثة: هي دائرة المستهلك.
س - وأي المناطق تضم الدائرتان الثانية والثالثة؟
ج - الدائرة الثانية هي الدائرة المحيطة بتل أبيب، أي لبنان، جزء من سوريا، والضفة الغربية والضفة الشرقية، وغزة، دائرة اليد العاملة، أما دائرة المستهلك، فهي بقية المئة والخمسين مليون عربي مع جزء من إفريقيا وجزء من الشرق الأوسط، سواء تركيا أو إیران، هذا كلام وثائق، حتى هندسيًا خططوا لجميع الطرق التي ستمر عبر فلسطين، والخريطة الإسرائيلية تفرض على كل أنواع الطرق أن تمر عبر فلسطين، سواء الطرق الجوية أو البرية، هذه خطة «السلام»؟ ومن أجلها، كان لا بد أن يدمر المصرف العربي، كي ينتقل إلى تل أبيب.
طبعًا «حساب السرايا لم يأت مثل حساب القرايا»، ظنوا أن العملية ستكون مثل عملية ١٩٤٨، إذا مصر، فلا، الحقيقة ليست مصر، أنا لا أريد أن أظلم مصر، فمصر أعظم من هذا بكثير، ظنوا إذا ذهب الحاكم المصري إلى تل أبيب أو ذهب إلى القدس، سيذهب كل الحكام العرب وراءه مثلما حدث عام ١٩٤٨، عندما وقعت مصر اتفاقية رودس وبعدها وقع العرب كلهم على هذه الاتفاقية، طبعًا سنوات ٤٧-٤٨ و٤٩ ليست أبدًا سنوات ۷۷-۷۸ و۷۹، وليست ۸۰ ولا سنة ۱۹۸۱، وهذا مهم جدًا.
وحتى لن تكون أبدًا سنة ۱۹۸۲، بالعكس، لقد ثبت الآن، أن الموقف العربي في مصر ضد مؤامرة كامب ديفيد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
ولا أريد أن أقول أكثر من هذا، يكفي أن أقول ماذا حدث لـ«نافون» في زيارته للقاهرة، وما هي المقاطعة التي تمت من قبل الشعب المصري تلقائيًا لنافون، لا أتكلم هنا عن مقابلته لرئيس الجمهورية، لا، أتكلم كيف أنه طلب الذهاب إلى المسرح فلم يستطع، ولم يستطع أن يزور أي مصنع من مصانع حلوان، لا مصنع الصلب ولا مصنع السيارات ولا الحديد، طلب أن يلتقي بالمفكرين فسئل أین ستلتقي بهم؟ كان وكانوا يعتقدون أنه سيلتقي بحوالي ألف مفكر مصري، وأمام المقاطعة الشعبية، اقترحوا عليه أن يلتقي بهم «بالمسرح الملكي في عابدين»، باعتبار أن المسرح الملكي يتسع لمئتي شخص، وفي "الزنقة" يجلبون كراسي إضافية ليصل العدد إلى ٣٥٠ كرسيًا، فوجهوا الدعوة لخمسمئة مفكر، لقد جاء للقاء نافون سبعة مفكرين فقط، عندما أتكلم عن مأزق كامب ديفيد لا تبحثوا عن المأزق هنا عندي، مأزق كامب ديفيد عند الشعب المصري وتصريحات نافون عندما عاد، كشفت عن هذه الحقائق.
س - لكن الرئيس السادات ما زال يصر على عدم إقفال المفاوضات مع إسرائيل عند حدود حقوق الشعب المصري، إنما يريد أن يظل الباب مفتوحًا حول حقوق الشعب الفلسطيني.
ج - هذه ورقة التوت، هل تعرفون ما هي ورقة التوت؟ هي الوحيدة المتبقية له ليستر بها العورة.
س - ألا تعتقد أن موقفه أكثر جدية؟
ج - أنا لم أكن مخطئًا عندما قلت: لقد باع القدس بحفنة من تراب سيناء، فاروق لم يجرؤ على القيام بمثل هذا العمل.
س - في رسالة رسمية أرسلها السادات إلى كارتر جاء فيها أنه يعتبر أن القدس الشرقية جزء من الضفة الغربية المحتلة، وأن موقفه ثابت.
ج - اسمحوا لي أن أقول: إنكم تنطلقون من نظرية تختلف عن نظريتي، أو إنكم تنطلقون من خط قتالي غير الخط الذي أنطلق منه أنا، أنا أنطلق من مبدأ أن كل ما بني على باطل فهو باطل، وكل ما يأتي بعد ذلك هو عملية تجميلية، لا أكثر ولا أقل، كامب ديفيد باطل، إنه مؤامرة ضد الشعب المصري قبل أن يكون مؤامرة ضد الشعب الفلسطيني، يقول سليمان باشا الفرنسي، وهو أول رئيس أركان لأول جيش حديث لمصر، "إن الأمن العسكري والأمن السياسي لمصر، ليس حدود سيناء وإنما فلسطين"، القائل هو رئيس الأركان سليمان باشا الفرنسي، وهو معروف، وهذه نظرية لم تكن في يوم من الأيام عكس هذا.
أعطني معارك مصر، إذا أردنا أن نتكلم تاريخيًا، فأین قاتل کل قادة مصر الكبار؟ قاتلوا في معاركهم التي جرت خارج مصر، خارج سيناء، في فلسطين، من «تحتمس» في «ماجدو» إلى السلطان قلاوون والظاهر بيبرس، إلى صلاح الدين الذي جاء إلى مصر، من مصر قاتل، وبالمناسبة فهو قد نزل من قلعة الشقيف إلى حطين، قلعة الشقيف التي وقف فيها أبطالنا وأحرزوا هذا الانتصار الرائع أمام لواءين من أهم ألوية الجيش الإسرائيلي، وأنا أريد أن أؤكد هذه المقولة، لأن أمن مصر السياسي والعسكري ليس في الدفاع عن قناة السويس، أنا أعرف نوع الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب المصري، إنما لا أفهم إطلاقًا، أن تعتبر مساعدة الشعب الفلسطيني جريمة تحاسب إسرائيل عليها مصر؟ انطلاقًا من اتفاقية كامب ديفيد، وهل ينتظرون أن يقبل الشعب المصري الآيات الاتفاقية؟ لنأخذ مثلًا الإذاعات المصرية والآيات القرآنية، تنص اتفاقية كامب ديفيد أنه يحرم على المصريين تلاوة كل ما جاء ذكره عن الإسرائيليين وعن اليهود في القرآن، وممنوع إذاعة هذه الآيات القرآنية في الإذاعة المصرية، وإلا يعتبر خروجًا عن اتفاقية كامب ديفيد، هذا ما ورد في الاتفاقية، وأنا أعطيك فقط مثالًا عن معنى «التطبيع»، هناك كتب تاريخ وجغرافيا تم تغييرها في مصر بعد الاتفاقية، إذن هذه الاتفاقية لم تمسسني أنا فقط، لقد استطعت مقاومتها، بدليل أن كل ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، وكل المحاولات الإسرائيلية والأمريكية والمصرية لفرض مؤامرة الحكم الذاتي على شعبنا، وهي إحدى نتائج كامب ديفيد فشلت.
وأنا أريد أن أذكر أنها لن تنجح، جاءني مرة مسؤول أوروبي كبير، وقال لي (أنا ذاهب إلى الضفة الغربية: وإذا ممكن أن تعطيني أسماء بعض الذين يجب علي أن أقابلهم، فلقد أعطاني الأردنيون أسماء، وكذلك الإسرائيليون والمصريون، فأعطني أنت أسماء الذين يجب أن أقابلهم، فأجبته: لن أعطيك أسماء، إنما أكتفي بالأسماء التي ذكرها لك المصريون والإسرائيليون والأردنيون، وأنا لا أقول هذا الكلام من موقع التحدي، إنما من موقع الثقة، «واثق الخطوة يمشي ملكًا»، أنا أكلمك من موقع الثقة في هذا الشعب لأنه ما من مرة راهنوا عليه إلا وفشل الرهان.
س الشهر الماضي بث التلفزيون البريطاني تحقيقًا عن التعذيب الذي يتعرض له العرب في الضفة، وقد أجرى المذيع لقاءات مع رؤساء البلديات الذين أكدوا أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد.
ج - هذا ما أريد قوله.
س - لكن عاد المذيع وقابل ضابطًا إسرائيليًا كبيرًا، فرد عليه الضابط قائلًا: إن العرب يخدعون، ورؤساء البلديات يخافون وهم يعرفون أن هذا البرنامج سيبث في الخارج، إذن، إعلاميًا مضطرون أن يقولوا مثل هذا الكلام خوفًا من أن يتهموا بالخيانة،
وأضاف الضابط الإسرائيلي قائلًا: بين فترة وأخرى يزورني عرب من الأردن ومن الضفة، ويقولون لي: نحن لا نجرؤ على التصريح أننا لسنا مع المنظمة؟ لأننا نخاف من القتل؟
ج - أنا أتحداه أن يذكر اسمًا، إنني أتحداه، وأنا ذكرت هذه القصة؛ لأن هذا الرجل مسؤول أوروبي وكتب تقريرًا في السوق الأوروبية، أنا لن أذكر اسمه، لقد قابل الناس، ولم تكن المقابلة إذاعية، أنا لم أحدثك عن العرائض ولا حدثتك عن الإذاعة ولا عن الهاتف، أعطيت فقط مثالًا يثبت مدى سخف هذا الضابط، لقد كتب المسؤول الأوروبي تقريره وأرسله، وقال لي: لقد كنت على حق، فجميع الذين قابلتهم من الذين رشحوا لي من الأطراف الثلاثة، قالوا لي إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد.
س أخ أبو عمار، نعود إلى الحرب اللبنانية، هل تعتقد أن ذيول الحرب اللبنانية يمكن أن تؤدي بلبنان إلى الفيدرالية أو البلقنة؟ وماذا تتصرفون في هذا الوضع؟
ج - البلقنة كلمة كبيرة على لبنان، البلقنة على المنطقة، هناك خطر على المنطقة من البلقنة، وهذا ما قلته على إثر الحرب العراقية-الإيرانية، إن استمرارها قد يؤدي إلى بلقنة المنطقة، ولكن في لبنان، أنا ضد التقسيم، وضد الفيدرالية، وضد أي نوع من أنواع المساس بالشرعية اللبنانية؛ لأنني أعتبر أن قوة لبنان بشرعيته هي قوة للثورة الفلسطينية، لذلك يهمني جدًا أن يكون من أنا معه قويًا، بحيث يكون ظهري قويًا.
س - أنت مع الشرعية؟
ج – بلا شك.
س - ولكن هل الشرعية قوية؟
ج - حسب تقديري، إن مجرد بقاء الشرعية رغم كل التحديات، نوع من أنواع القوة، الغريب جدًا، أن بعض الناس لا يفهمون الأحداث بطبيعتها، بعدما حدث في لبنان، لا يمكن أن تأتي عصا ساحر وتغير فيه، لا بد بعد هاتين السنتين من الحرب الأهلية «القذرة» التي تدخلت فيها المخابرات المركزية الأمريكية بكل ثقلها، ودخلت فيها إسرائيل بكل ثقلها، لا بد لهذه الحرب أن تترك بصماتها وتأثيراتها التي سنعاني منها جميعًا، لفترة طويلة من الزمن، وإلا نكون غير واقعيين، وأناسًا لا نستطيع أن نفهم ألف باء السياسة.
س - هل تقصد أن الحرب اللبنانية انتهت ونحن نعاني من تأثيراتها؟
ج - حسب تقديري، انتهت.
س - ورغم احتمال عودة كيسنجر مع تسلم ريغان؟
ج - الحرب انتهت؛ لأن معظم أغراض أمريكا من الحرب اللبنانية تحققت، ما عدا منطقة الجنوب، فهي خارجة عن الحرب اللبنانية، لأنها اعتداء إسرائيلي متواصل على الأمة العربية، وهي تدخل في الأطماع الصهيونية في التهام أجزاء من لبنان أو كل لبنان مثلما التهمت فلسطين، على كلٍ هذا أمر آخر، أما الأحداث الداخلية اللبنانية، فإنها حسب تقديري، قد انتهت.
طبعا، لا بد أن تحدث بعض الذيول البسيطة، ولكنها لن تشكل أي خطر، الخطر الآن هو الخطر الإسرائيلي الذي يقول بكل وقاحة أنا أريد مياه الليطاني، والذي يقوم بكل وقاحة بتسييج بعض المناطق اللبنانية التي يطرد منها سعد حداد (العميل) قال موشيه شاريت في مذكراته: "نحن نبحث عن ماجور (رائد) في الجيش اللبناني كي ننفذ خلاله أطماعنا في لبنان"، وكرر هذا الكلام بطريقة أخرى بن-غوريون في مذكراته، على كل يبقى سعد حداد ألعوبة؛ لأن الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان هو الخطر الإسرائيلي؛ لأن هناك أطماعًا صهيونية داخلة في خطة التوسع الإمبريالي الصهيوني للمنطقة ككل.
س - هل ممكن لهذا الخطر أن يتجدد أو يقوى مع عودة كيسنجر؟
ج هذا الخطر لم يضعف في غياب كيسنجر، بالعكس، عندما قال بريجنسكي: باي باي PLO، دفع بعدها بأقل من ثلاثة أشهر بثلث الجيش الإسرائيلي ليسحق الثورة الفلسطينية، وقد أكد خطة بريجنسكي القرار الذي صدر يوم ۱۳ آذار (مارس) ۷۸ في الكنيست، والذي ذكر حرفيًا: إبادة منظمة التحرير الفلسطينية، إبادة قوات منظمة التحرير الفلسطينية، إبادة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، إبادة ممثلي منظمة التحرير في الخارج، وكلمة «إبادة» كانت إحدى جرائم الحرب في محاكم «نورنبرغ».
بعد هذا القرار، لم تصدر كلمة احتجاج من أية صحيفة أجنبية، ماذا كانت النتيجة؟ جاء في اليوم التالي اليعيزر وايز من، برفقة الصحفيين، باعتبار أن حرب الإبادة انتهت، وقال لهم: «لدينا الآن الأسرى، وهناك آلاف القتلى والجرحى، وأخذنا أطنانا من الذخائر، باقي بعض الجيوب التي سنقضي عليها»، هذا الحديث جرى بعد ثماني ساعات من القتال، وإذا بهذا الصراع يستمر ثمانية أيام، ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي تطلب إسرائيل وقف إطلاق النار، وعندما جاءني ارسكين ومساعد فالدهايم بهذا الطلب، قلت: أريده علنيًا، حتى أسجل تاريخيًا أن إسرائيل هي التي طلبت وقف إطلاق النار.
س - حاليًا جنوب لبنان والثورة الفلسطينية في مأزق.
ج - مأزق؟
س- في خطر؟ أليس هذا مأزقًا؟ والتآمر عليكما معًا؟
ج – "عمره"، لم يكن الخطر مأزقًا، ثم أنا لا أرى أن التآمر مأزق، في الوقت الذي يتوقف فيه أعدائي عن محاربتي، لا بد أن أعيد حساباتي، أنا لا أرى فيها مأزقًا، أرى فيها خطرًا، منذ اليوم الأول الذي رفعت فيه سلاحي لأقاتل، وأنا أعرف أن الثورة في خطر، أنا لم أخدع-الحمد لله-شعبي، ولم أخدع أمتي العربية، أنا لم أقل لهم، سنتناول فطورنا في مكان وعشاءنا في تل أبيب، "ولا من يحزنون" أنا قلت لهم: الحرب التحريرية الشعبية طويلة النفس، وهكذا من البندقية، من الرشاش المليء بالصدأ، من قنبلة مربوطة بخيط، إلى ثورة ملء الأسماع والأبصار، إلى الرقم الصعب والأساسي في معادلة الشرق الأوسط، وأنا أتحدى.
انظري، لقد ذهب كارتر، وبريجنسكي الذي قال لي: باي، باي. أنا الذي أقول له الآن: "باي باي ومع السلامة"، إنني أتحدى ريغان الذي سيأتي وأتحدى بيغن والسادات، إذا اعتقدوا أن باستطاعتهم أن يتعرضوا للفلسطينيين، أتحداهم، إننا الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، لا سلم ولا استقرار ولا حل ولا سلام في هذه المنطقة بالقفز على حقوق الشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولتنا المستقلة فوق ترابنا الوطني الفلسطيني وهذا يعني بهذه المناسبة، أن التوطين (الفزاعة) الذي تتهموننا به راح، سواء كان من «الحوادث» أو من غيرها، ما شاء الله كل الصحف تتكلم عن التوطين، انظروا كيف واجهنا ما حدث مع قواسمه وملحم انظروا كم عملنا من أجل أن نعيد اثنين إلى وطننا، وما زلنا، الآن أرسلناهما إلى الأمم المتحدة كي يواصل النضال، من أجل اثنين نعمل كل هذا فما بالكم بالتوطين؟
س - هناك خشية لبنانية، أن رئيسي البلدية أبعدا إلى لبنان، بمعنى: إذا استمر بيغن في عملية ترحيل سكان الضفة الغربية وغزة، قائلًا: اذهبوا عند عرفات، إنما يقول لهم: اذهبوا إلى لبنان، لذلك تكبر الخشية اللبنانية من التوطين؟
س - طبعًا، "لازم الناس يخافوا من التوطين"، وأنا معهم، ولذلك الأفضل أن يوجه هذا السؤال إلى الذين يتعاملون مع إسرائيل ضدي، ليأخذوا مني البندقية، ليساعدوا ويتعاونوا الآن مع بيغن من أجل التوطين؛ لأنه إذا انهزمت أنا فسيحدث التوطين، طبعًا أنا لن أنهزم، ولذلك لن يحدث التوطين، أنا لن أنهزم ليس كشخص إنما كثورة؛ لأننا نحن نقف مع إرادة التاريخ، وأنا لن أقول هذا الكلام مجرد كلمات ولكن بيقين.
س - هل يمكن الوصول إلى إستراتيجية لبنانية-فلسطينية-على الأقل-في هذه المرحلة الحالية، التي كما ذكرت أنت أنها ستكون مرحلة خطرة.
ج - ولماذا أنا أتكلم وأقول: وفاق لبناني-لبناني وتفاهم لبناني-فلسطيني؟ أنا منذ أيام تكلمت هذا الكلام ونشر في جريدة البيرق، وفي مجلة الـ(Revue de Liban) وأنا قلت هذا الكلام، وقلت: إنني أمد يدي للحوار مع الكل، ونحن أتبعنا هذا الكلام بالعمل.
أنا بعد الحرب القذرة، قابلت الشيخ بيار الجميل وابنه، وأظن كان معهما جوزيف أبو خليل أو أبو شرف، لم أعد أذكر، وكنا نحن أربعة بمن فيهم المرحوم أبو حسن سلامة، وقابلناهم في السفارة الكويتية، وتنصلوا هم من اللقاء.
س - من اللقاء أو من التعهدات؟
ج - من اللقاء وكل ما حدث أثناء اللقاء، على كل لم تكن هناك تعهدات ولكن كانت هناك محاولة، وتنصلوا هم من اللقاء وقالوا إن اللقاء حصل صدفة والذي ربطنا فيه هو السفير الكويتي، والكل يذكر أننا أرسلنا ثلاثة فلسطينيين للقيام بجولة، قبل حادثة طوني فرنجية حتى انتقدنا من بعض حلفائنا، ولكن نحن نؤمن أنه لن يكون هناك حل في لبنان دون أمرين: أولًا: وفاق لبناني–لبناني؛ لأن البندقية لن تحل شيئًا، وأي حالم من هؤلاء الحالمين الذي يعتقد أن البندقية ستحل شيئًا في الحياة اللبنانية، يكون على خطأ، لأن البندقية وحدها قاطع طريق، دكان، خوة.
الوفاق السياسي اللبناني- اللبناني، الذي يشترك فيه جميع الأطراف، ثم يليه تفاهم فلسطيني-لبناني–سوري.
س - سوري؟
ج - بالطبع؛ لأن قوة الردع الأساسية، أو بالأحرى قوة الردع الوحيدة الآن هي القوة السورية.
س - ولكن عندما يحصل وفاق لبناني-لبناني، يمكن أن يكون هناك جيش لبناني.
ج - ومن قال إننا نحن ضد الجيش اللبناني؟ نحن مع هذا الجيش اللبناني.
س - مع وجود الجيش اللبناني هل يبقى التفاهم اللبناني-الفلسطيني بحاجة إلى تفاهم لبناني-فلسطيني-سوري؟
ج - أنا أقول: إنه لم يستطع لا لبنان ولا سوريا أن ينفصلا عن بعضهما في أي يوم من الأيام، منذ الانتداب وبعد الاستقلال، وللدلالة على هذا، لا يوجد سفارات بين الدولتين، يعني العلاقات متميزة، أليس كذلك؟
س - على أي أساس يمكن أن يتم التفاهم اللبناني-الفلسطيني-السوري؟
ج - بالنسبة إلى التفاهم اللبناني–الفلسطيني فهو سهل جدًا، ما اتفقنا عليه في الاتفاقات اللبنانية-الفلسطينية، ووافقت عليها القمم العربية التي اجتمعت بعد ذلك، قمة الرياض، وقمة القاهرة، وقمة بغداد، وقمة تونس، وبحضور الطرفين اللبناني والفلسطيني.
س - هل أنتم على استعداد لتنفيذ اتفاقية القاهرة؟
ج - إننا ننفذها، قولي لي بأي بند أخلينا؟
س - الوجود المسلح؟
ج – أين؟
س - المناطق اللبنانية، والجنوب؟
ج - الجنوب، حسب الاتفاقية.
س - هناك منطقة محددة في الجنوب.
ج - من قال؟ قولي لي إني تخطيت وجودي؟
س - وهل النبطية تدخل في اتفاقية القاهرة؟
ج - النبطية مركز قيادتي، هل نسيت مرة كنت موجودًا في المخيم، ووقعت الغارة الإسرائيلية فأزيل المخيم من الوجود؟ أنا كنت موجودًا فيه، النبطية مركز قيادتي، حسب الاتفاقية، مركز قيادتي أنا كقائد عام لقوات الثورة الفلسطينية، ويكفي أن أقول لكم: إن اللجنة الرباعية العربية التي انبثقت عن قمة الرياض وقمة القاهرة، قالت: لقد نفذت الثورة الفلسطينية ٩٧ في المئة من التزاماتها المفروضة عليها.
س - لو أن الدول العربية رافضة لسعد حداد، ألم يكن باستطاعتها أن تلغيه؟
ج - إسرائيل وحدها القادرة على سعد حداد، وسعد حداد عبارة عن «لعبة» إسرائيلية، ثم لا يوجد شيء اسمه سعد حداد، أنا أتحدى أن يكون هناك شيء اسمه سعد حداد.
س - بالنسبة إلى الحرب مع إسرائيل، هناك هجوم سياسي وإعلامي من الثورة الفلسطينية، وهناك هجوم عسكري وجغرافي من إسرائيل.
ج - لا، يوجد غلطة في السؤال، هناك هجوم سياسي وإعلامي وعسكري من الثورة الفلسطينية، كيف نسيتم العمليات العسكرية التي تحدث داخل أرضنا المحتلة؟
س - ولكن الحجم؟
ج - « مش مهم، كل واحد بحجمه».
س - لكن، كيف يمكن الوصول إلى النصر ضمن هذه المعادلة؟
ج - أولًا: هذه الأمور لا توضع في هذا القالب.
هنالك معركة شرسة بيننا وبين العدو، ويستخدم فيها العدو كل ثقله، وللأسف بسبب الأوضاع العربية، فإن قواته العسكرية محررة كلها تقريبًا، وبالتالي فإن تركيزه العسكري كله محول علينا، وقال بيغن: «سنحاربهم حتى بالوسائل الشيطانية»، والجنرال ايتان قال: «إن الحرب بين الطرفين لن تنتهي إلا بأحدنا»، ثم إن إسرائيل تستخدم قواتها ضدنا في جنوب لبنان، ضد القوات المشتركة اللبنانية-الفلسطينية، ضد القرى والمدن اللبنانية وضد المخيمات الفلسطينية، إنها تستخدم كل وسائل الدمار برًا وبحرًا وجوًا، ويكفي أنه خلال الشهرين الأخيرين، قام الجيش الإسرائيلي بثلاث عمليات كبيرة لمحاولة احتلال أماكننا: عملية الشقيف وأرنون، عملية الجرمق والريحان والعيشية وعملية الداهور والسعديات، هذا تغير العمليات الجوية، الآن وأنا في طريقي إليكما جاءني خبر عن اشتباك بحري في صور، هذه العمليات تتم تحت سمع وبصر الأسطول السادس الأمريكي، هذه القرصنة البحرية والجوية تحت سمع وبصر الأسطول السادس الذي فيه حاملات طائرات وتتم العمليات تحت حمايتها.
من هنا، أقول: إن المعادلة في أية حركة تحرر ليست بحجم القوى المتصارعة فقط، في يوم من الأيام، جاء القائد الأمريكي في فيتنام وقال إنه يريد ثلاثة آلاف طائرة مختلفة الأنواع، وذكر الأنواع التي يريدها، ووعد أنه خلال ستة أشهر سينهي الثورة الفيتنامية، كانت النتيجة أن اضطر السفير الأمريكي أن يهرب في إحدى هذه الطائرات، طائرة هليكوبتر، من ظهر السفارة الأمريكية في سايفون.
في حروب التحرير، ليست فقط القوة المادية هي العامل الحاسم، أطفالنا اليوم في الضفة الغربية، حولوا الحجارة إلى قنابل، فاضطرت الحكومة الإسرائيلية أن تصدر قوانين، تنص على أنه "من يهتف لمنظمة التحرير الفلسطينية يسجن، من ينشد أناشيد فلسطين يسجن، من يرفع العلم الفلسطيني يسجن" كيف هذا؟ وهذا العلم الفلسطيني، قبل ١٩٤٨، كان أيضًا علم ٤٨٠ ألف يهودي؟ لم يكن فقط علمي، إنما علمي وعلمهم، كان مرفوعًا على مؤسسات الدولة أثناء الانتداب البريطاني، إذن، العملية لا تقاس بالقوة المادية، وسأقول لكم أيضا أمرًا مهمًا: هو إنني أقاتل صعودًا وهم يقاتلون نزولًا، لقد وصلوا القمة، وترسانة الأسلحة لا تفيد وحدها، والشهر الماضي قالوا: إن عدد الذين يهاجرون من إسرائيل أكثر من عدد الذين يأتون إلى إسرائيل، منذ فترة أعلنت أنا التعبئة العامة، التي يسمونها التجنيد الإجباري، والتي احتجت عليها الإدارة الأمريكية، يا سلام، لم تر الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط الملتهب، غير التعبئة الفلسطينية، والحقيقة أنا أظلم شعبي عندما أقول تجنيدًا إجباريًا، إنه تدفق طوعي، أنا لم أعد «ألحق» لا تجهيزات ولا تدريب، ولا سلاح، وذلك بسبب التدفق الطوعي، والاثنان اللذان استشهدا في عملية السعديات والدامور طلاب هندسة، هذه هي القوة.
أرجل بسام الشكعة وكريم خلف، المزروعة في الأرض هي قوة، ثم في السجون الإسرائيلية ٤٤ ألف سجين ومعتقل وتحت التحقيق بمن فيهم ألفا امرأة وفتاة، من أصل عدد الفلسطينيين الذي هم تحت الاحتلال (مليون وسبعمئة ألف فلسطيني) ٢٤ ألف سجين، إنها أعلى نسبة سجون في العالم، أعلى نسبة معتقلين في العالم، أنتم تعرفون ماذا حدث في سجن «نفحا»، وقعت اغتيالات لكوادرنا السجينة، اغتالوا ثلاثة من شبابنا ومع ذلك الثورة مشتعلة، أمس سقط ستة طلاب جرحى في رام الله، وكلهم يقاتلون بالحجارة، إذن حولوا الحجارة إلى قنابل يدوية، ولهذا لندع الطلاب يردون على الضابط السخيف الذي ظهر على التلفزيون البريطاني، هؤلاء الطلاب الذين حيروا الجيش الإسرائيلي وجعلوه يستنفر أكثر من ثلث قواته، وباعتراف إسرائيل، كي يحتل المدن ويمنع الإضرابات، الطلاب في الداخل «يجننون» الجيش الإسرائيلي بالحجارة، طيب أيضًا الطلاب خائفون من القتل؟ أنا أقدم براهين، وبهذا الشعب أنا أقاتل.
س - إذن، هل تقوم إستراتيجيتك الآن بالضغط بفلسطينيي ٤٨ و٦٧ على إسرائيل؟
ج لا، تقوم إستراتيجيتي بالضغط بجميع أسلحتي، من خطابي في الأونيسكو، الذي أعتبره خطابًا سياسيًا ثقافيًا حضاريًا، إلى رقفة بسام الشكعة في صوفيا وهو يتسلم جائزة الليندي، إلى قواسمة وملحم اللذين أبعدوهما إلى الحدود اللبنانية وسافرا أمس إلى الأمم المتحدة، إلى تغريد البطمة التي قتلت منذ أيام بالرصاص وهي طالبة من الطالبات، إلى هذا المد الشعبي العربي الذي هو معي، إلى الموقف الرسمي، الذي في غياب منظمة التحرير الفلسطينية، في مؤتمر عمان، قال: إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد، جاء الموقف الرسمي وأنا غائب عن المؤتمر، إلى أصدقائي في العالم.
وفي ٢٩ الشهر الفائت، يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، فإن ما تلقيته من برقيات من قادة وزعماء العالم يزيد عن ٦٠٠ رسالة، من بريجنيف إلى فالدهايم وما بينهما.
س - ذكرت في جوابك، أنك تقاتل صعودًا وهم يقاتلون نزولًا.
ج – طبعًا، لأنني أقاتل مع مجرى التاريخ.
س - وقلت أيضًا: إنهم وصلوا إلى القمة، هل يعني أن العد العكسي بدأ؟ ومتى نصل نحن إلى القمة؟
بلا شك بدأت مرحلة العد العكسي، لكن بالنسبة إلينا، فإنها مسألة صراع حضاري، وفي الصراع الحضاري لا تقاس العملية بالسنوات، ويجب أن نفهم أن هذه الغزوة الصهيونية لبلادنا ليست احتلالًا عاديًا ومحليًا، إنما هي غزوة كالغزوة التترية وغزوة الفرنجة، وأنا لا أقول عنها غزوة الصليبيين؛ لأن مسيحيي بلادنا قاتلوا ضد غزوة الفرنجة، أمتنا كانت تحت الاحتلال وقاتلت ضد هذه الاحتلالات كلها وما زالت تقاتل، ومن سوء حظنا، أن الضربة الأولى جاءت فينا، كان من الممكن، كما حصل أثناء غزو التتر، أن الضربة الأولى جاءت في بغداد ثم زحفت علينا، من الصليبيين جاءت الضربة الأولى في أنطاكية وزحفت علينا. الآن، نحن نتلقى الضربة الأولى، ليس ذنبي أنني ولدت في فلسطين، فأنا مسؤول تمامًا كما هو مسؤول أي واحد عربي.
س - أثبتت الثورة الفلسطينية قدرتها على الحياة، عن طريق الرحيل كما حدث بين الأردن ولبنان.
ج - أيضًا، هذه مقولة غير دقيقة، نحن مقدرتنا على الصمود وليس الرحيل؛ فأنا لم أغادر في لحظة من اللحظات عمان، ولم أغادر في لحظة من اللحظات أرضي المحتلة.
س - هل أخرت الثورة الإسلامية الإيرانية في إيران من تحقيق التسوية في المنطقة؟ وهل تجعلها أكثر عدلًا في المستقبل؟
ج - إنها من ضمن العوامل التي أفسدت على المخطط الأمريكي-الإسرائيلي-الساداتي؛ لأن كامب ديفيد كان قائمًا على ثلاث أرجل: إسرائيل، السادات، الشاه، وقعت رجل من الأرجل، فضاعت الحسابات في المنطقة، وهذا حدث تاريخي.
س - هل تجعل مستقبل التسوية أكثر عدلًا؟
ج - طبعًا أنا أرجو هذا، إنما هذا يعتمد على أشياء كثيرة، على نتائج الحرب العراقية-الإيرانية، يعتمد على التصرفات التي ستبديها الثورة الإيرانية تجاه بعض القضايا ولكن، بلا شك، أردنا أو لم نرد، فإن الثورة الإيرانية حدث أحدث تغييرًا إستراتيجيًا في المنطقة.
س - لصالح من؟
ج - بلا شك، لصالحنا نحن.
س - قبل عدة أشهر من الانتخابات الأمريكية، قدم أحد مستشاريكم تقريرًا قال فيه بأن ريغان هو مرشح بالفوز على كارتر؟ فهل اتخذتم هذا التقرير في حينه، وكيف تتعاملون مع الإدارة الأمريكية الجديدة؟
ج - أولًا: نحن كنا نتوقع عدم نجاح كارتر، وهذا التقرير صحيح، ولا أعرف من أخبركم به؟ هذا اختراق، ثم لم يقدم إلي تقرير واحد، إنما عدة تقارير، ولكن بالنسبة إلينا، فإننا نفهم نحن السياسة التي تقيمها دولة عظمى أو إحدى القوتين العظميين، الاتحاد السوفياتي أو الولايات المتحدة، خاصة في أمريكا، فالرئيس القوي ليس له في القرار أكثر من ٢٥ بالمئة، والرئيس الضعيف ربما ١٥ بالمائة، وسياسة الدول الكبرى، خاصة هاتين الدولتين الكبريين، لا ترسم لمجيء رئيس أو ذهابه، الذي جاء بحزب ليكود إلى الحكم كان أمريكا، المخابرات الأمريكية دائمًا يقولون هناك لوبي إسرائيلي في أمريكا، أما أنا فأقول: هناك لوبي أمريكي في إسرائيل. وأعطيك مثالًا بسيطًا جدًا، كيف جاء الليكود إلى الحكم؟ عندما انقسم حزب العمال، عندما خرج يادين وشكل «داش» أخذ ١٦ صوتًا، وأخذ حزب العمال ۳۳ صوتًا، إذن لو لم ينشق حزب العمال لنال ٤٩ صوتًا، مقابل 42، كان حزب العمال هو الذي سيشكل الحكومة.
ثانيًا: هل تظنون أن هذه القصة السخيفة، التي قالوا فيها إن زوجة رابين عندها عشرة آلاف دولار، ولو، سفير منذ سنوات ولا تستطيع زوجته أن توفر عشرة آلاف دولار؟ أعتقد أنها كانت سخيفة جدًا، ولكن، كانت الإدارة الأمريكية تبحث في ذلك الوقت عمن سيوافق على كامب ديفيد، مثلما كانت تبحث في المنطقة العربية عمن سيوافق على كامب ديفيد، الآن وصل كامب ديفيد إلى الطريق المسدود، فسيحاولون إیجاد إما كامب ديفيد محسن مجمل، وإما شيء جديد.
س - وكيف ستتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة؟
ج - كما تعاملت مع السابقة، قالت لي باي، باي، فذهبت هي، وأنا ما زلت باقيًا، أقارع الزمن.
س - هل تعتقد أن الولايات المتحدة أقل قدرة في الضغط على إسرائيل.
ج - هي القدرة، إسرائيل عبارة عن كلب حراسة أمريكي في المنطقة، أنا أقول لك: إن ليس هناك لوبي إسرائيلي في أمريكا، إنما لوبي أمريكي في إسرائیل، إسرائيل التي تعتمد على أمريكا من الفانتوم حتى الدقيق، معقول أن تجرؤ وتقول لا لأمريكا؟ أمريكا، التي قالت عنها غولدا مثير: إنها الصديق الذي لا نستطيع أن نقول له: لا، لست أنا قائل هذا الكلام إنها غولدا مثير. أصغر وأكبر سياسي في إسرائيل يعرف هذا، وهل تظنون أنتم أن الأمة العربية تواجه إسرائيل؟ لتخرج أمريكا من الموضوع، لنر كم تبقى إسرائيل.
س - إذا كانت إسرائيل التي تعتمد على أمريكا من الفانتوم حتى الدقيق لا تستطيع أن تقول: لا لأمريكا، ألا يستطيع العرب أن يقولوا: لا لأمريكا؟
ج - للأسف لا.
س - وهل تستطيع الولايات المتحدة أن تقول: لا لإسرائيل؟
ج - أي إسرائيل؟ نحن لا نواجه إسرائیل، هل تعرفون أن في الجنوب حقل تجارب للأسلحة الأمريكية الحديثة، يقوم فيه عسكريون أمريكيون؟ كما كانت فيتنام حقل تجارب سابقًا؟ الإف ١٥ والإف ١٦ لم تستخدم في أي مكان آخر، سوى في جنوب لبنان، وحين يصل السلاح يكون الطيارون الأمريكيون طليعته أو بجنسيتين.
س - إذا كان طريقك مفتوحًا إلى ريغان كما هو مفتوح طريق بيغن إلى ريغان إذن ماذا تقول له؟
ج - للأسف مش مفتوح، "إذا" أداة شرط، ولن يفتح هذا الطريق، ومع ذلك، أنا لا أطلب من ريغان؛ لأن الحق لا يطلب، الحقوق تنتزع، في الوقت الذي يشعر فيه الأمريكيون أن باستطاعتهم تصفيتنا كما اعتقد بريجنسكي فسأواصل، ولكن، نحن رقم لا نقبل لا القسمة ولا الضرب ولا الطرح، فقط الجمع.
س - كيف تشرح قضيتك للرأي العام الأمريكي في بداية عهد ريغان؟
ج أنا لم أتوقف عن مخاطبة الرأي العام الأمريكي، بدليل أننا وصلتنا دعوات هذه السنة من ثلاث جمعيات كنائسية، من جورجيا وواشنطن ومن نيويورك.
س - وهل أنت مستعد لتلبية هذه الدعوات؟
ج - ولم لا؟
س - وهل سيعطيك الأمريكيون «فيزا»، أو تأشيرة دخول؟
ج - إنها مسؤولية مضيفي، عليه أن يأتي لي بفيزا.
س - ما هي الكلمة التي ستقولها للرأي العام الأمريكي في بداية عهد ريغان؟
ج - أيديكم عن الشعب الفلسطيني، نحن لن نكون الهنود الحمر في هذه المنطقة.
س - لكنك نسيت الشعب اللبناني؟
ج - إنما كارتر منذ أيام، أعطى تصريحًا إيجابيا بحق لبنان وريغان أيضًا، انظروا، المؤامرة بدأها كيسنجر على الشعبين، أما اليوم فالأسلحة الأمريكية التي ترد للجيش اللبناني، والدعم الذي تأخذه الشرعية اللبنانية من أمريكا، يعني أنا كمان عقلي كومبيوتر يحسب كل شيء.
س - بعد قرار الحكومة الإسرائيلية بمنع إسرائيليين سياسيين من إجراء مفاوضات أو اتصالات مع المنظمة، ما هو مستقبل علاقاتكم مع حركة السلام؟ وماتزين وشيلي؟
ج - مستمرون وقرارنا جاء قرارًا من المجلس الوطني الفلسطيني، وأخذناه سنة ١٩٧٧ ويقول بفتح الحوار مع جميع القوى الديمقراطية والتقدمية داخل إسرائيل وخارجها، نحن نستمر، والذي على استعداد أن يواصل الحوار معنا فليأت أيضًا، وأنا ملزم بالحوار، فأنا رئيس اللجنة التنفيذية وانتخبت على أساس هذا البرنامج.
س - هل ساهم هذا الحوار في شق السياسيين داخل إسرائيل؟
ج - لم يكن هدف الحوار شق السياسيين، هدفه هو إرساء قواعد سياسية في المنطقة.
س - يرفض الاتحاد السوفياتي سحب الاعتراف بقرار مجلس الأمن ٢٤٢ ومن جهة.
ج - ومن قال؟ البيان السوفياتي الأمريكي في (تشرين الأول) أكتوبر ۱۹۷۷ لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى قرار ٢٤٢.
س - ولكن بعد فترة لم تتجاوز الأيام انتهى العمل بالبيان السوفياتي-الأمريكي؟
ج - لا يهم، أنا أعطيك وثائق، وآخر وثيقة بين البلدين أي البيان السوفياتي-الأمريكي عام ۱۹۷۷ لم تذكر أية كلمة من القرار ٢٤٢.
س - القرار ٢٤٢ صوتت عليه دول كثيرة أما البيان فجاء بين دولتين فقط، ولم يعمل به.
ج - تتكلمون عن الاتحاد السوفياتي، وأنا أعتبر أن ما جاء في البيان السوفياتي-الأمريكي سحب القرار 242، فأنا أتعامل في السياسة مع كل حرف ومع كل كلمة ومع كل تصريح ومع كل مقال، بالإضافة إلى مراكز الأبحاث والتخطيط عندنا وأيضًا المستشارين.
س - هل اقترب موعد تشكيل حكومة فلسطينية في المنفى؟
ج - لا، وأنا لست بحاجة إلى مثل هذه الحكومة، وأنا لي رأي في هذا الموضوع ويقول: نحن لسنا في حاجة إلى مثل هذه الحكومة؛ لأن منظمة التحرير الفلسطينية استطاعت أن تقوم بدور حكومة المنفى أكثر بكثير من أي حكومة منفى، فنحن معترف بنا من قبل ١١٥ دولة، نحن أعضاء فاعلون في الجامعة العربية وفي دول عدم الانحياز وفي مكتب التنسيق لدول عدم الانحياز، ونحن أعضاء فاعلون في المؤتمر الإسلامي، ونحن أعضاء مراقبون في الوحدة الإفريقية، وهذا لم تصل إليه أية حكومة في المنفى.
ولقد حققت منظمة التحرير في هذا نجاحات كبيرة جدًا، هذا ليس بالمطلق، على كل تشكيل حكومة منفى بحاجة إلى قرار تتخذه القيادة الفلسطينية، أي لا وجود لأمر ثابت في السياسة، ربما المصلحة غدًا تتطلب منا أن نشكل حكومة فنشكلها فورًا، هو قرار في جيب القيادة الفلسطينية، وعندما ترى فيه أية مصلحة تجتمع القيادة الفلسطينية تقرر وتشكل حكومة.
س - أبلغك المستشار النمساوي برونو كرايسكي أنه سحب توقيعه من البيان الرباعي.
ج - سحب توقيعه من البيان الذي أعده شمعون بيريس وبطرس بطرس غالي، ووقع البيان الآخر الذي قدمته الأحزاب الاشتراكية الثلاثة: الإسبانية، والإيطالية والمالطية، وهذا نعتبره انتصارًا لنا، صحيح أنهم أرضوا حزب العمل الإسرائيلي بالبيان السياسي، وأنه حزب يعمل للسلام في المنطقة، نعتبره انتصارًا لأننا لسنا أعضاء في الاشتراكية الدولية، إنما الدكتور عصام السرطاوي هو الذي يتابع المؤتمر.
س - وبالنسبة إلى المبادرة الأوروبية خاصة بعد مجيء كيسنجر.
ج - وهل هناك مبادرة أوروبية؟ عندما جاءني السيد ثورن سألته أين هي المبادرة الأوروبية؟ وهل نحارب طواحين في الهواء؟ أو نأكل جوزًا فارغًا؟
س - هل تكون المبادرة الأوروبية بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية؟
ج - دعونا نقول: هل نتعشم أن تكون هناك مبادرة أوروبية؟ أنا في تقديري لن تكون هناك مبادرة أوروبية وإذا كانت فلن تخرج عن السقف الأمريكي، وأنا قلت أكثر من مرة: إن الدول الأوروبية لم تخرج بعد من تحت السيطرة الأمريكية.
س - بسبب عدم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني حتى الآن، هل لأنه ليس لدى المعادلة الفلسطينية شيء تعطيه للمعادلة الدولية؟ والعكس أيضًا.
ج - لا، لا، السبب الأحداث الخطيرة، ثم القرارات الإسرائيلية بتصعيد العمليات العسكرية، انشغالنا في الجنوب، أشغال شاقة.
بالإضافة إلى أننا نريد أن ندخل إلى المجلس الوطني ونحن متفقون تمامًا كي لا يحدث معنا ما حدث في المجلس السابق بالنسبة للبيان السياسي، فلا خلاف حوله، إنما الخلاف هو حول البرنامج التنظيمي، وتشكيل اللجنة التنفيذية، عندما اجتمع المجلس المركزي الأخير شكل لجنة كي تجتمع معي، وقد أجلت اجتماعها اليوم، حتى أكمل المشاورات التي أقوم بها مع الإخوة، وقد كلفني المجلس المركزي أن أقوم بمشاورات ثنائية مع كل الأطراف، بحيث ندخل الجلسة المقبلة ونحن لدينا تصور كامل لكيفية تشكيل اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية، وما هي القوى التي ستشارك في مهام اللجنة التنفيذية، وكما تذكرون، البرنامج يقول: الفصائل والقوى الفلسطينية كافة، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى، وأنا مكلف رسميًا بعقد مشاورات ثنائية، ومجرد أن ننتهي سنجمع المجلس الوطني، وهناك توجه إجماعي الضرورة عند الطرفين.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1980، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1981. ص 410، 411، 412، 413، 414، 415، 416، 417، 418، 419.
صحيفة الحوادث، لندن، العدد ۱۲٥٩، 19/12/1980 ، ص ۲۱–۳