الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول بعض الموضوعات والقضايا المهمة

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات حول بعض الموضوعات والقضايا المهمة

  بيروت                                          

س - تفيد الأنباء أنك ستدعو «المجلس الوطني الفلسطيني» إلى اجتماع طارئ لمواجهة مرحلة ما بعد المعاهدة، فما هو ردك على هذا؟

ج - ليس هناك شيء من هذا القبيل في الوقت الحاضر، فقد خرجنا من اجتماع المجلس الوطني الأخير بخطة واضحة واتفاق كامل بين جميع الإخوان الذين شاركوا في هذا المجلس، عندنا برنامج سياسي موافق عليه بالإجماع، وعندنا برنامج تنظيمي وآخر حالي، وقد دعوت المجلس المركزي إلى اجتماع أمس بحثنا فيه جميع التطورات التي طرأت بعد توقيع المعاهدة، واتخذنا عددًا من الإجراءات التي تنتظر التنفيذ، والمطلوب ليس في الحقيقة جمع المجلس الوطني بل تنفيذ قرارات المجلس، وهذه المهمة ملقاة على عاتقنا داخل الساحة الفلسطينية، قد يظن بعض الناس أن الذي حدث يمكن أن يعيق تحركنا، ولكن ذلك ليس صحيحًا؛ فأنا أعتبر أن الذي حدث سيزيد من فاعليتنا وقدرتنا على النضال، الأمة العربية مرت بالكثير من هذه الفترات الحرجة والخطيرة، ولكنها كانت دائمًا قادرة على أن تخرج منها بسلام، والذي حدث في قمة بغداد بعد «كامب ديفيد» هو دليل على ذلك؛ فقد كان العالم يظن أن العرب لن يجتمعوا دون السادات، ولن يتمكنوا من اتخاذ أي قرار هام، والحقيقة أننا اجتمعنا دون السادات واتخذنا قرارات هامة، بل وخطيرة، سواء على الصعيد السياسي أو الإعلامي أو الاقتصادي أو المالي، أو كذلك على الصعيد العسكري.

 قبل القمة قام المستشار بريجنسكي بجولة في المنطقة حاملًا رسائل من كارتر إلى رؤساء وحكام بعض الدول العربية والإسلامية، ودول عدم الانحياز وحتى لبعض دول السوق الأوروبية، ونعرف أن كارتر ضغط في بعض هذه الرسائل وهدد في بعضها الآخر، وعاد بريجنسكي إلى واشنطن وفي قناعته أن العرب لن يتخذوا مواقف جادة، بل لقد بلغ الاستعلاء الأمريكي حدًا خرجت معه صحيفة الواشنطن بوست، مثلًا في طبعتها الأولى قبيل اجتماع بغداد: «إن العرب لن يطلع منهم شيء، واحنا داعسين وماشيين في المنطقة وخطتنا ماشية وما حدش جايعترض عليها»، ولكن عندما خرجت قرارات بغداد مخيبة لأمال الأمريكيين عادت الصحيفة وسحبت مقالها واستبدلته بآخر، صحيح أن الميلاد كان عسيرًا ولكنه لو لم يكن كذلك لما جاء المولود صحيحًا وعلى مستوى المرحلة، لقد كانت قرارات بغداد هامة وحيوية وفي مستوى المرحلة، ومن أجل ذلك جاءت بعد ولادة عسيرة وقيصرية.

س - هناك أسئلة يواجهها المرء في جميع العواصم العربية، هي هذه الولادة التي تتحدث عنها خرجت بمقررات جدية وقابلة للتنفيذ؟

ج - طبعًا، إنها جدية جدية في التنفيذ وجدية في الاقتناع، لقد سحب العرب سفراءهم من الجامعة العربية، وعمليًا انتقل مقر الجامعة من القاهرة، وبدأت الدول العربية تنفيذ مقررات بغداد، أمس مثلًا قرأت نبأ عن خط «السوميت».

هل تعلم ماذا يعني هذا؟ خط «السوميت» هو الذي ينقل البترول العربي من السويس إلى الإسكندرية، وهذا يعني أن الدول العربية ستمنع نفطها من التدفق عبر السويس، إن ذلك أمر مشجع للغاية، فقد بدأ العرب يبحثون بتفاصيل المقررات

التي اتخذت.

س - ما دمنا نتحدث عن النفط فاسمح لي أن أطرح عليك هذا السؤال: لقد قلت إنك ستصعد نضال الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه بكل الوسائل، وردت واشنطن بأنك لن تستطيع أن تضرب مصالحها في المنطقة، ماذا تقول في ذلك؟

ج - أنا عايز أقول حاجة، أمس صدرت قرارات مهمة في الجلسة الطارئة التي عقدها المجلس المركزي للعمال العرب الذي عقد في دمشق، هل سمعت بهذه القرارات؟ إنها قرارات مهمة جدًا تتعلق بتعهد العمال العرب بضرب المصالح الأمريكية من المحيط إلى الخليج، ليس فقط الثورة الفلسطينية طلبت ذلك بل سيتخذه هؤلاء العمال هو مقاطعة السفن والطائرات الأمريكية، والامتناع عن تقديم أية خدمات لها، وفي تقديري سيبدأ العمال بتنفيذ هذه الخطوات في غضون أسبوعين، واليوم زارتني لجنة منبثقة عن اجتماع دمشق وناقشت معي هذه المقررات التي سيعم العمال العرب كلهم يطالبون بهذا، إن أول إجراء تنفيذها في العالم العربي بكامله.

أما النفط، فقد كان الأمريكيون يقولون إن شاه إيران هو حامي النفط، وقد أعطوه كل هذه الأسلحة المتطورة وفي ظنهم أنه سيحمي لهم بها مصالحهم، ليس فقط في الخليج أو في النفط بل في كل المنطقة وفي كل المصالح، أي إن شاه إيران لم يتبرع للأمريكيين بلعب دور بوليس المنطقة بل بدور البلطجي، زي البلطجي الإسرائيلي، يعني مش بوليس بل غانغستر، مثله مثل السادات، البلطجية مصيرهم معروف والتاريخ حافل بالأدلة بس على مصير البلطجية.

من هنا أقول إن عملية ضرب المصالح الأمريكية هي من شأن الأمة العربية، والأمة العربية قادرة على رد الصاع صاعين، والمثل الإيراني خير دليل على ذلك.

س- هناك سؤال مطروح في الولايات المتحدة، وهو أن الرئيس كارتر مد يده إلى منظمة التحرير الفلسطينية، داعيًا إياها لقبول قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، مع الاعتراف بالوجود الإسرائيلي على أمل إشراكها في مفاوضات الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فما هو رد المنظمة على هذا الموضوع؟

ج - يعني هم يبحثون عن «بيتان» جدید جنب "غويسلينغ" الذي هو السادات، يعني عايزين خائن جديد يضاف إلى الخائن الأول، ولكنهم لن يجدوني خائنًا أبدًا، ثم لنتحدث قليلًا عن القرار ٢٤٢ الذي يطالبنا كارتر بالاعتراف به، هل يعترف هذا القرار بالفلسطينيين حينما يقول لك: «مع التحفظات»؟ تحفظات مع من؟ مع الولايات المتحدة التي لم تحافظ في لحظة من اللحظات على أي تعهد تجاه الفلسطينيين، بل بالعكس، إن كل ما قامت به واشنطن تجاه الفلسطينيين كان عملًا مضادًا، أنا أريد أن أتذكر عندما قال كارتر في مطلع حكمه إنه يريد أن يكون للفلسطينيين «هوم لاند».

"ناشنال هوم لاند"، ولكن ما الذي حصل؟ لقد أعلن كارتر ذلك في البيان السوفياتي الأمريكي ونادى بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والممثلين الرسميين للشعب الفلسطيني، وإذا به يرسم هذا الكلام رسمًا وينفذ عكسه بالاتفاق-وللأسف–مع بيغن، وإذا بالـ«هوم لاند» أو «بالوطن القومي الفلسطيني» يتحول إلى إدارة ذاتية، هذه هي المؤامرة، هل تعرف ما معنى الإدارة الذاتية؟ الإدارة الذاتية التي يعرضونها تحرم علينا حتى السيطرة على منابع المياه.

 أريد أن أسأل العالم أجمع: هل هناك قرية في هذا الكوكب الأرضي كله لا يسيطر أهلها على المياه التي يشربون منها؟ ماذا يريدوننا أن نحكم-في الإدارة الذاتية-البشر أم المجاري الصحية أم الخدمات أن البلاد يريدون تقوم بأكثر مما تقوم به الإدارة الذاتية؟ إنهم يريدون أن ينتزعوا هنا الاعتراف بشرعية الاحتلال في مقابل الإدارة الذاتية، إن الشرعية الفلسطينية هي أغلى ورقة.

ويجب أن يعرف ذلك القاصي والداني، ولن نبيعها بهذا الحكم الذاتي الذي يعرضونه علينا، ثم إنني أريد أن أذكر العالم باللاءات الثلاث التي أعلنها بيفن، والتي وجهها إلى مصطفى خليل وهي: لا للعودة إلى حدود ١٩٦٧، لا للدولة الفلسطينية، ولا عودة للقدس العربية، فبعد هذا هل يمكن للفلسطيني أن يطمئن إلى الوعود؟ إن كارتر قد أخل بالبيان السوفياتي-الأمريكي، فما هي الضمانة الممنوحة لي؟ أنا الضحية المسحوقة، رغم أن كارتر كان قد نادى بإقامة وطن للفلسطينيين؟

من حقي أن أقول أنه، وحتى هذه اللحظة، لا يوجد أحد يمكنه القول إن أمريكا باستطاعتها أن تتعهد بشيء، إن أمريكا لم تعط الفلسطينيين سوى مزيد من البؤس والشقاء، فبعد زيارة السادات للقدس أعلن بريجنسكي: «باي باي فلسطين» إن من حقنا أن نتذكر كل هذه الأمور، إننا نرى في الدعوى الأمريكية الجديدة طعمًا أمريكيًا جديدًا، ولكننا لن نسقط في شراكه.

ذات يوم قال لي الرئيس عبد الناصر وكنت أزوره في الإسكندرية، وكنا نجلس معًا على شاطئ البحر: يا أبو عمار، يريدون أن يقع الحوت المصري في الشبكة، والآن بعد أن وقع الحوت المصري، يريدون أن يقع الحوت الفلسطيني لقد أصبحنا حوتًا ولسنا سمكة، وليفهم القاصي والداني هذا الكلام، إن الرقم الفلسطيني هو الآن الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، ولن يستطيع أحد القفز فوق هذا الرقم، يجب أن يكون هذا واضحًا، أنا أتحدى أن يستطيع أحد القفز فوق هذا الرقم، وأقول هذا لكي يسمعني كارتر وعميلاه بيفن والسادات، العميل الذي يتكلم العبرية والعميل الذي يتكلم العربية.

س - فلنتحدث عن الأمم المتحدة والدور الذي تراه منظمة التحرير الفلسطينية للأمم المتحدة، حول إيجاد تسوية عادلة للأزمة خارج إطار اتفاق كامب ديفيد!

ج - أولًا، لا علاقة لي بكامب ديفيد، ولن تكون لأي فلسطيني علاقة بكامب ديفيد ومشتقاته، لأن ما بني على باطل هو باطل.

أما بشأن الأمم المتحدة، فقد صرح فالدهايم بأن المعاهدة لم تحقق السلام، وأنا أقول إنها ليست فقط لم تحقق السلام، بل إن كارتر قد وضع الديناميت في هذه المنطقة، لذلك يجب على الأمم المتحدة أن تنقذ الموقف، إنني أشبه زيارة كارتر للمنطقة بزيارة شامبرلين ليونيخ عام ۱۹۳۹، التي وقع بعدها انفجار الحرب العالمية الثانية، إن على الأمم المتحدة أن تتحمل مسؤولياتها وتنفذ قراراتها، خاصة القرارات التي اتخذتها بعد خطابي الشهير في الأمم المتحدة عام ١٩٧٤.

س - الأمم المتحدة اتخذت قرارًا؟

ج - ليس السادات هو الذي أرسلني إلى الأمم المتحدة، إن الذي أرسلني إلى الأمم المتحدة هو بنادق الثوار الفلسطينيين، البنادق التي خلقت المعادلة الصعبة في المنطقة، بالإضافة إلى القرار الذي صدر عن مؤتمر قمة الرباط، حول قيام الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية وأنا بالتوجه إلى الأمم المتحدة، وبالفعل لقد قام الرئيس فرنجية بدور رائع عندما توجهنا معًا إلى الأمم المتحدة.

س - المعروف أن قرارات الأمم المتحدة تنفذ معظم الأحيان، لكنها لا تنفذ كما يجب عندما يكون الأمر متعلقًا بمنطقة الشرق الأوسط، فكيف تطلب من الأمم المتحدة أن تنقذ الموقف؟

ج - أولًا، يجب أن يبدأ الموقف بقوانا الذاتية، صحيح أن اختراقًا حصل في الجبهة المصرية، ولكنني أعتبره اختراقا مؤقتًا، وإذا دام «الشاه» فليدم الوضع في مصر، ثانيًا: أنا لا أخاطب الأيام من منطلق الساعات، أنا أخاطب المنطقة من منطلق الموقع التاريخي والموقع الإستراتيجي، ولذلك دائمًا رؤيانا مستقبلية.

 يجب أن توضع كل هذه العوامل في البانوراما الأمامية الواسعة، صحيح أنهم حولوا إسرائيل إلى ترسانة سلاح، لكنني لا أفهم معنى هذا السلام الذي يتكلم عنه كارتر والذي ثمنه 5 مليارات دولار، بالإضافة إلى أن الأهم في الموضوع هو قوانا الذاتية، فإن هناك شيئًا مهمًا آخر وهو موقف جميع الأحرار والشرفاء في العالم، وموقف أصدقائنا في دول عدم الانحياز، وموقف أصدقائنا الأفارقة، وموقف أشقائنا المسلمين، وموقف حلفائنا في الدول الاشتراكية، وموقف أصدقائنا حتى في العالم الغربي، حيث بدؤوا يتفهمون أنه لا حل في هذه المنطقة دون وطن قومي للفلسطينيين ودون حل للمشكلة الفلسطينية، ومن هنا يجب فهم الموقف الفرنسي الأخير، وإلى جانب هذا لا بد أن ندرك أن الشرعية الدولية التي نحترمها والتي تقف إلى جانبنا، هي طريقنا لتحقيق الكثير من النجاحات، لأننا لسنا "فانفستر".

 إذا كان الأمريكيون يفكرون بعقلية "الفانفستر" ويتجاوزون مقررات الأمم المتحدة فنحن نرفض هذه العقلية ويرفضها معنا كل الشرفاء وكل الأحرار في العالم.

إذا كانت أمريكا تدعم إسرائيل في عدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، سنة، سنتين، ثلاث سنوات، وعشر سنوات، فما هي النتيجة؟ النتيجة أن هذا الموقف الإسرائيلي نابع من التدليل الأمريكي لإسرائيل، وهذا سينعكس عاجلًا أم آجلًا على مصالح أمريكا في هذه المنطقة.

إن هذه المنطقة العربية ستجد ذات يوم طريقها لتستطيع أن تدافع عن مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة، ومن حقنا، كما يقول تشرشل: أن نستخدم الأساليب التي نراها مناسبة، ألم يقل مسؤول أمريكي كبير، أظن أنه وزير الدفاع براون، إن من حق أمريكا أن تستخدم القوة المباشرة للدفاع عن مصالحها؟ وكذلك من حق العرب أن يستخدموا جميع وسائلهم للدفاع عن أنفسهم.

 

س - هناك من يقول إن علاقة ياسر عرفات بالرياض اليوم تختلف عن علاقاته بالرياض أمس، بكلمة أخرى: إن هذه العلاقة تسير من حالة جيدة إلى حالة سيئة، ما رد أبو عمار على ذلك؟

ج – أولًا: إن الذين يعتمدون على هذه المقولة مخطئون، لأن علاقتي مع الإخوة في السعودية ليست علاقة سطحية، إذا كان بعض الناس ينطلقون من بعض الاجتهادات التي حدثت في مؤتمر بغداد، فإن الوضع مختلف جدًا، إن ما يربطني بالإخوة السعوديين شيء أعمق من هذا بكثير، إنه الوطن، إنه القدس، هناك عهد قطعناه على أنفسنا (جلالة الملك خالد والمرحوم الملك فيصل-قبل أن يوارى الثرى-وأنا) بأن المملكة ستستمر في دعم الثورة الفلسطينية إلى أن نسترجع القدس سوية، ولذلك نحن وكذلك هم، لا نعير الأمور الخارجية أهمية تذكر.

س - ماذا عن الدول العربية الأخرى؟

ج – اسمع، يجب أن تفهم ما هي الثورة الفلسطينية، مشكلتنا ليست مشكلة تحرير الأرض، ولو كانت فقط مشكلة تحرير الأرض لحررناها من زمان، ولكن المشكلة الفلسطينية هي لب المشكلة في الشرق الأوسط.

في يوم من الأيام قابلت الجنرال «غياب» في سنة ۱۹۷۰، وكان ذلك في هانوي، وقد قال لي كلمة مهمة، قلت له بأنني سعيد بالتعرف إلى أعظم قائد ثوري في العصر الحديث، فقال لي: «لا تتواضع يا أبو عمار، أنا يسعدني ان أقابل قائد أعظم ثورة في منطقة الشرق الأوسط، نحن في هانوي خلفنا الجدار الصيني والجدار السوفياتي، أما أنتم فثورة في أخطر منطقة من العالم، في منطقة البترول»، ونحن نفهم هذا الكلام لأن معناه أن ثورتنا تعارض المصالح الإمبريالية و«التروستات» والاحتكارات الدولية.

ومن هنا عنف المقاومة والمؤامرات التي تلقاها هذه الثورة، إن ثورتنا ليست في تحرير الأرض، إنها ثورة حضارية، نحن نخوض معركة حضارية، بين حضارة أمتنا العربية وبين هذه الحضارة الدخيلة علينا، أي: هذه الحضارة الصهيونية التي هي رأس الرمح، وحضارة الاحتكارات وحضارة الإمبريالية العالمية في منطقتنا.

ومن هنا نحن نخوض معركة ضد محاولات مستمرة من قبل هذه الاحتكارات الدولية والإمبريالية العالمية والصهيونية؛ لضرب وحدتنا وشق صفنا ووضع الأسافين بيننا وبين بعض إخواننا في المنطقة العربية، هذا ما فعلته بنا الصهيونية والإمبريالية في سنة ١٩٧٠ في الأردن، وقد أعلن الرئيس نيكسون في تلك الأيام للكونغرس أنه كان يقود العملية من على ظهر حاملة الطائرات الأمريكية «سارادوغا» في البحر المتوسط، وهي العملية التي أعتبرها في حينه أخطر من عملية خليج الخنازير في كوبا.

 إن ما حدث لنا في الأردن كان الرئيس نيكسون يديره ويشرف عليه، كذلك ما حدث لنا في لبنان كان يديره الأمريكيون، وأنا أذكر بالمناسبة أن الرئيس اليوغسلافي تيتو قال لي عندما زرته في ١٩٧٤/١٢/٥ ما يلي:

"قبل أن تزورنا بثلاثة أيام كان كيسنجر هنا وقال لنا إن قرارات الرباط غيرت كل الحسابات والمعادلات في الشرق الأوسط"

وقد نبهني الرئيس تيتو إلى خطورة ما قاله له كيسنجر، وعدت إلى إخواني في المنطقة العربية من مسؤولين وغير مسؤولين وقلت لهم: إن ثمة شيئًا يرتب في الخفاء لهذه المنطقة-دعني أتذكر-في منتصف شباط/ فبراير ۱۹۷۵ قتل معروف سعد في صيدا، ثم بدأت حرب لبنان، أذكر أيضًا كيف أنني قمت مع إخواني هنا في بيروت بمحاولات ضخمة لتأمين ترحيل الرعايا الأمريكيين عن لبنان، بناء على طلب الإدارة الأمريكية، وإذا بكيسنجر يرسل إلي بكل وقاحة تهديدًا بأنني مسؤول عن هؤلاء الرعايا.

س - بعد رحيلهم؟

ج - طبعًا نعم، وهذا مؤسف إذ تلك هي عقلية الفانفستر، في أية حال دعني أقل لك إن هذه الثورة لا يستطيع أحد أن يهددها، ليفهم القاصي والداني والذي يظن أننا نخاف أننا لا نخاف، وقد شهد العالم هذه القافلة من الشهداء في القيادات وفي صفوف الثوار، هل توقفت الثورة؟ كلا، لم تتوقف، هؤلاء الناس يفكرون بعقلية الكومبيوتر ومش قادرين يفهموا معنى الثورة، إن هذه الثورة هي ضمير الأمة العربية، بل لعلها أصبحت في ضمير العالم كله منذ ١٩٤٩، حتى اليوم لم تحدث ثورة في المنطقة أو انقلاب أو حكومة جديدة إلا ووضعت في مقدمة برامجها القضية الفلسطينية، ماذا يعني هذا؟ عندما نقول إن قرارات الجامعة العربية كلها جاءت في هذا الاتجاه، قرارات دول عدم الانحياز كلها تؤيدنا، قرارات الدول الإسلامية تؤيدنا، قرارات الدول الإفريقية تؤيدنا، قرارات الأمم المتحدة تؤيدنا، ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أننا دخلنا في ضمير العالم كله، وهذا الأمر لا يستطيع الكومبيوتر الأمريكي أن يفهمه، لقد راهن الكومبيوتر الأمريكي على شاه إيران، ولكن الذي كسب الرهان هو الشعب الإيراني والثورة الفلسطينية [الإيرانية] والإمام البطل الذي قلب الموازين وجعل من إيران دولة مواجهة بعد أن كانت قاعدة أمريكية.

س - في جوابك عن علاقة الدول العربية بما حدث للثورة الفلسطينية وجهت الاتهام إلى كيسنجر والكومبيوتر الأمريكي، مبرئًا-كما فهمت–القيادات العربية الأخرى، ومعتبرًا أنك معها في خندق واحد، فهل هذا صحيح؟

ج - صحيح، أعني إننا أسرة واحدة، ويجب أن يكون هذا الكلام مفهومًا جيدًا، "نزعل"، نختلف، نتخانق، ولكننا في النهاية نحسم أمرنا بين بعضنا، هذا ما حدث في مؤتمر قمة بغداد، وهذا ما حدث في مؤتمر وزراء الخارجية، اختلفنا، ولكننا في النهاية خرجنا بالقرار الموحد الذي نريد، يظنون أنهم سيطروا على جبهتنا الغربية، صحيح، سقطت الجبهة الغربية، ولكن هل سقطت الأمة؟ هل استسلم الأوروبيون للنازية عندما سقطت الجبهة الأوروبية؟ كلا، الجبهة الغربية التي هي مصر سقطت، ولكن سقوطها مؤقت.

إن الشعب المصري سيثور ضد الذين ورطوه في هذه المعاهدة، أنا أعرف الشعب المصري جيدًا، أنا ربيت في مصر، أنا ضابط احتياط في الجيش المصري، وأعرف ما هو الشعب المصري، إنه مثل «نيله» هادئ ومنظره من السطح جميل، ولكن عندما يأتي الفيضان يجرف أمامه كل شيء، هذا الشعب الذي قال: "الجلاء التام أو الموت الزؤام لبريطانيا" هل سيقبل الاحتلال الأمريكي الجديد لسيناء؟ هل هل سيقبل بانتقاص سيادة مصري بناء على المادة رقم 6هل سيقبل الشعب المصري المعاهدة التي باعت القدس والحقوق الوطنية الفلسطينية وشرف الأمة العربية؟

 

س - لقد قوطعنا المنذ بداية الحديث باتصالين هاتفيين، الأول من الجبهة الجنوبية حيث كنت تعطي الأوامر بالضرب والرد على العدو الإسرائيلي، والثاني سياسي محلي مع أحد أصدقائك السياسيين اللبنانيين من أجل تحرك، وبالمناسبة هناك من يقول بأن الحرب العربية-الإسرائيلية الجديدة قد تنطلق، من يمكنه تصور مثل هذا الكلام؟

جنوب لبنان أو حتى من الساحة اللبنانية فكيف؟

ج - الموضوع الأول دار حول المحاولة الإسرائيلية البحرية للاعتداء على مخيم الرشيدية، وقد صدت المحاولة وأصبنا زورقًا، قد يظن الأمريكيون والإسرائيليون ومعهم المصريون-للأسف-أن لبنان هو نقطة ضعيفة ومنه يمكنهم الهجوم وهذا خطأ كامل، لقد سبق لبريجنسكي أن ظن بأن لبنان نقطة الضعف ودفع عام ۱۹۷۸ بثلث الجيش الإسرائيلي في المعركة، وكانت النتيجة لصالح الثورة الفلسطينية، وفي تقديري إن أعمالًا مستمرة تدور لتفجير الوضع في لبنان وخاصة في الجنوب على المستوى العسكري، ونحن حريصون على ألا نخلق لهم أية ذريعة تدفعهم للقيام بأعمال انتقامية في لبنان، وحرصنا هذا لا ينفي حتمًا سهرهم الدائم على خلق الذرائع، التي سمحت لهم بشن أربع حروب كانت ثلاث منها حروب ذرائع، وفي آخر لقاء مع الرئيس حافظ الأسد وجدته متفهمًا تمامًا لهذه النقطة المهمة ويقيم حساباته على هذا الأساس.

 يجب أن يفهم الجميع أن لبنان ليس هو نقطة الضعف وأن المشاكل يجب أن تحل على صعيد اللبنانيين أنفسهم، ونحن سنقول كما قلنا سابقًا بأننا ملتزمون بتنفيذ اتفاقياتنا مع السلطات اللبنانية، وعلاقتنا الآن مع لبنان تقوم على أساس تفهم كامل وأمل أن يصل اللبنانيون إلى اتفاق تام فيما بينهم.

 

س - وماذا عن موضوع الانسحاب السوري من قوات الردع العربية في لبنان؟

ج - الجامعة العربية قررت التجديد ثلاثة أشهر لهذه القوات، كان من المفروض ستة ولكن الأمور ستترك إلى اجتماع مجلس الجامعة بعد ذلك لاتخاذ قرار آخر، والمسألة ليست زمنية بقدر ما هي مسألة اتفاق الأطراف اللبنانية، وأقول هذا-ولست قيمًا على أحد-إنها من باب الصلات الإستراتيجية المتينة التي تربطنا بالسوريين.

س - ماذا تقول في الميثاق العراقي-السوري وفي التقارب الفلسطيني-السوري-العراقي؟

ج - إن الميثاق العراقي-السوري هو تعويض إستراتيجي لغياب الجبهة الغربية، أعني مصر، عن حلبة الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، ويأتي التقارب الفلسطيني امتدادا طبيعيًا لعلاقات قوية سابقة بيننا وبينهما، وكانت زيارتي الأخيرة لبغداد دليلًا لهذه العلاقات، حيث أجرينا مباحثات ناجحة مع الإخوة المسؤولين وخاصة مع الأخ صدام حسين، هناك خط إستراتيجي يشمل بيروت ودمشق، وبغداد وطهران، وهذا الخط الجديد الذي يشمل الأردن أيضًا هو أساس الإستراتيجية المقبلة، أضف إلى ذلك أن لقاءاتنا مع الملك حسين في المفرق وقبلها في بغداد وفي المفرق أيضًا مع الرئيس معمر القذافي هذا الخط، وكل الاتصالات واللقاءات التي ذكرتها تشكل المجرى الذي يبرز الجبهة الشرقية حاملة العبء الأساسي في مواجهة العدو الإسرائيلي.

 وعلى الرغم من المزايدات التي أثيرت عقب اللقاء الفلسطيني الأردني، فإننا نوضح عدم خضوعنا للمزايدات بل تتبعنا لشمولية الرؤية المستقبلية والإستراتيجية، لهذا كان لقاؤنا ناجحًا، واليوم بالضبط تحرك وفد فلسطيني إلى عمان مؤلف من الإخوة زهير محسن، وحامد أبو ستة وأبو مازن ومحمود عباس، لحضور اجتماعات اللجنة المشتركة الأردنية–الفلسطينية.

س - أنت متهم من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بأنك إرهابي، ما ردك على هذا الاتهام؟

ج - هذه نكتة أن أتهم إرهابيا من الإرهابيين، جورج واشنطن أعتبره العرش البريطاني إرهابيا لمطالبته برفض ضريبة الشاي، وهوشي منه أعتبر إرهابيا، ديغول أيضًا، كل الذين طالبوا بحرياتهم وناضلوا من أجل استقلالهم اتهموا بأنهم إرهابيون، ولو سمحنا لأنفسنا بالكلام عن الإرهابية دعنا نتساءل كم رجلًا اتهم بالإرهابية وهو الآن يمثل بلاده في الأمم المتحدة بعد استقلالها؟ اللوبي الصهيوني يشغل العالم بالفظائع التي ارتكبت ضد الشعب اليهودي ويبالغ فيها كالهولوكوست مثلًا، لكنه يتناسى فظائعه بحق الفلسطينيين وهذا كلام ليس لي فقط بل لألكسندرا جونسون، موظفة الخارجية الأمريكية، تقاريرها واضحة نشرتها الصحف، ولماو تسي تونغ مثل يقول: "في الوقت الذي يتوقف فيه أعدائي عن مهاجمتي، لا بد أن أراجع حساباتي" فعندما يتعامى اللوبي الصهيوني عن القنابل المحرمة دوليًا التي يستعملها الإسرائيليون ضد الأبرياء، يكون قد أهمل مراجعة حساباته، وعلى كل حال عندما سندخل القدس ونرفع علم أمتنا العربية فليتبجحوا بالكلام عن الإرهابية، إن دايان الذي استهتر بنا عام ١٩٦٧ وشبهنا بالبيضة التي يمكنه سحقها بسهولة، نراه يتكلم عن منظمة التحرير الفلسطينية، والأهم من هذا كله أن ۱۰۵ دول قد اعترفت بالمنظمة ولنا اليوم بعد عالمي وحضور لا يستهان به.

 إن الإدارة الأمريكية التي تخدع باللوبي ودعاياته لا بد أنها تعرض مصالحها للدمار، على أن لنا صداقات متينة على مستوى الشعب الأمريكي، وغالبًا ما تصلنا رسائل وتبرعات تثبت اهتمام الأمريكيين بثورتنا، أمس مثلًا، وصلتني رسالة من مواطن أمريكي يطالب فيها بضرورة نجاح الثورة الفلسطينية، وفي الرسالة عشرة دولارات تبرع بها هذا الأمريكي لنصرة القضية الفلسطينية، و«لكي نكمل النضال».

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1979، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 203، 204، 205، 206، 207، 208.

المستقبل، باريس، العدد 113، 22/4/1979، ص 14، 17.