الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد عرفات حول موقف المنظمة من القرار 242، وسياسة الرئيس السادات والوضع في الجنوب اللبناني، والسياسة الأمريكية في المنطقة، وقضايا أخرى

حديث صحفي خاص للسيد عرفات حول موقف المنظمة من القرار 242، وسياسة الرئيس السادات والوضع في الجنوب اللبناني، والسياسة الأمريكية في المنطقة، وقضايا أخرى

 

 بيروت، أواخر أيار/مايو 1979    

             

س - ما هو موضوع الخلاف بينك وبين السادات؟ هل هو على مبدأ التفاوض مع إسرائيل أم على حجم ما حصل عليه من المطالب العربية؟

ج- الخلاف بيني وبين السادات هو بحجم القضية العربية كلها، بحجم القضية الفلسطينية، بقدر ما تمثل القدس لنا، الخلاف هو حول مستقبل هذه المنطقة، فهذه هي القضايا التي خانها السادات.

ليس من حقه أن يذهب إلى القدس فيدشنها عاصمة لإسرائيل، وهذا ما حدث خلال مباحثاته المشؤومة في زيارته الخيانية،

القدس ليست ملكًا للسادات، وهي أيضًا لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل هي ملك لأمتنا العربية، وهي أيضًا لا تعني العرب وحدهم بل تخص المسلمين والمسيحيين المتدينين، بل وتخص دول عدم الانحياز والأمم المتحدة التي التزمت بموقف معين من المدينة عندما أصدرت قراراتها ضد تهويد القدس.

 كل هذا تصرف فيه السادات وحده، مقابل ماذا؟ حفنة من رمال سيناء منقوصة السيادة، وتلك قضية سيحاسبه عليها الشعب المصري، أما بالنسبة لحقوق الشعب الفلسطيني، وأنا هنا أخاطب كارتر وليس السادات، هل من حقه هو وبيغن والسادات أن يقرروا مصير شعب آخر؟ هل يعتقدون أنه يمكن حل القضية بتجاهل الشعب الفلسطيني؟ لماذا يكررون نفس الغلطة؟ ألم يتجاهلونا في سنة ٤٧ وفي سنة ٥٦ وفي سنة ٦٧؟ ألم يعتبروا أن القضية قد انتهت، وأغلقوا الملف في عام ١٩٥٢ عندما قرر تريغفلي أول أمين عام للأمم المتحدة، شطب القضية الفلسطينية من جدول الجمعية العمومية وتحويلها إلى لجنة فرعية؟ فماذا كانت النتيجة؟ عام ١٩٧٤ كنت أنا هناك أخطب من فوق منبر الأمم المتحدة، وإلى جانبي الرئيس سليمان فرنجية الذي بعث به العرب ليكون معي، وهكذا أعدنا القضية الفلسطينية لتكون القضية الأولى في جدول أعمال الأمم المتحدة، وذلك بفضل ثوارنا ومن خلال البندقية الفلسطينية وباسم الأمة العربية.

س - يردد الرئيس السادات أنه يتحرك في إطار القرار ٢٤٢، وأنه يحاول أن يحصل لكم على أقصى ما يمكنه في إطار هذا القرار.

ج – أولًا: من قال لك إننا كفلسطينيين نوافق على القرار ٢٤٢؟ السادات يعرف أننا لا نقبل بالقرار، والعرب جميعًا يعرفون ذلك؛ فالقرار ٢٤٢ لم يذكر شيئًا عن الفلسطينيين بل تحدث عن اللاجئين، وجاءت ورقة العمل الأمريكية-الإسرائيلية الثانية تفسر عبارة اللاجئين التي وردت في القرار، بأنها تعني اللاجئين اليهود والعرب، أرجو أن يتذكر الرئيس السادات، ويتذكر معاونوه من حوله، أن ورقة العمل الثانية هذه شطبت ورقة العمل الأولى التي اعترفت فيها أمريكا لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما شطبت البيان السوفياتي-الأمريكي المشترك الذي صدر في أول أكتوبر/تشرين الأول.

س - يقترح الرئيس كارتر كمخرج أن تعترفوا بالقرار ٢٤٢ وتسجلوا عليه ما شئتم من التحفظات وخاصة قضية اللاجئين؛ فالبيان الأمريكي-السوفياتي لم يعطكم كل شيء ولكنكم وافقتم عليه.

ج - رحبنا به باعتباره قاعدة جيدة.

س- للتفاوض؟

ج – لا، لا، قاعدة جيدة للحل، وليس للتفاوض، من قال إننا نريد التفاوض؟

س - وكيف يمكن الوصول إلى حل دون تفاوض؟

ج - من خلال الأمم المتحدة.

س - لا فرق، في الأمم المتحدة أو خارج الأمم المتحدة، كله تفاوض.

ج - لا، يجب أن نكون دقيقين في التعبير، فالحوار في الأمم المتحدة من خلال المنظمة الدولية ليس تفاوضًا، ولا تنس أن القرارات العربية صريحة في منع التفاوض مع العدو الصهيوني، وقد تخطى السادات جميع القرارات العربية بتفاوضه المباشر مع الإسرائيليين.

س - وإذا رفضنا التفاوض، فما هو الخيار الآخر؟

ج- يبرر السادات موقفه بعدم توفر الخيارات أمام العرب ولكن هل هذا صحيح؟ تخيل معي لو أن عبد الناصر هو الموجود الآن محل السادات وجاءت الثورة الإيرانية، ماذا كنا سنأخذ من الأمريكان ومن الإسرائيليين؟ هذا وحده يكشف جريمة السادات، لقد أعطى للأمريكيين ما فقدوه في إيران.

س - لنفرض أن الثورة الإيرانية تلاقت مع الرفض المصري، فما هي النتيجة؟

ج- يجب أن نتذكر كيف كان وضع إسرائيل دوليًا قبل ذهاب السادات إلى القدس، كانت معزولة تمامًا، والأمريكيون في الزاوية، الأمر الذي اضطرهم إلى قبول إصدار البيان الأمريكي-السوفياتي، وفي المقابل كان العرب في أقوى مراحل تلاحمهم، وفي أحسن مواقعهم العسكرية والاقتصادية والسياسية.

س - كلامك يا أبو عمار يدل على أنك تعتبر المواجهة مع أمريكا وليست مع إسرائيل؟

ج - أنا أواجه أمريكا ورأس رمحها إسرائيل.

س - إذن السادات عنده وجهة نظر عندما يقول إنه بعد حرب ۷۳، وبعدما تدخلت الولايات المتحدة وحولت الهزيمة الإسرائيلية إلى نصر، أو على الأقل حالت دون هزيمة إسرائيل، وهكذا سقط الخيار العسكري.

ج - سقط الخيار العسكري؟ هذا غير صحيح، وما يقوله السادات مردود عليه، فهو الذي أسقط الخيار العسكري وليس التدخل الأمريكي، وأنا الذي أطلقت على عملية «الدفرسوار» اسم «الثغرة السياسية»، وهذا ما سمعه مني الكثير من قادة العرب عندما كنت أحدثهم عن الدفرسوار السياسي.

ولقد ناقشت السادات في موضوع الثغرة فقال لي: قدرته العسكرية، ففي ذلك الحين كانت قد وصلت إليه الـ٢٠٠ دبابة التي تبرعت بها الجزائر، ودفع بومدين ثمنها ۲۰۰ مليون دولار كاش، و١٤٠ دبابة أرسلها تيتو، و١٠٤ بعتهالو معمر، يبقوا كام؟

س - ٤٤٤ دبابة!

ج - وكان متبقيًا عنده ما بين القاهرة والثغرة ٣٥٠ دبابة يعني حوالي ۸۰۰ دبابة، بينما لم يكن في الثغرة أكثر من ٣٠٠ دبابة، وبالعلم العسكري يمكن أكل الثغرة.

س- ولكن لا بد أنك تذكر ما يقوله الرئيس السادات عن إنذار كيسنجر؟

ج - مفيش إنذار، كيسنجر قال له: سأحلها لك من غير حرب؟

س - ما يردده السادات هو أن كيسنجر قال له: إذا ضربت الثغرة.

ج – لا، ما قلوش إذا ضربت الثغرة، وإذا كان السادات يقول ذلك فإما أنه يكذب الآن أو أنه كذب علينا جميعًا وقتها، لقد قال لي وقال للرئيس الأسد وقال لكل الزعماء العرب: أنا قادر آكل الثغرة، ولكن كيسنجر جاب لي الحل من غير حرب، فلماذا الخسائر؟ وقتها قلت له: يا ريس، هذه فرصة، إذا هزمتم الإسرائيليين في الثغرة فلن تقوم لهم قيامة إلا في بئر السبع، أي لن يقف جنودهم إلا في بئر السبع، أما حكاية تهديد كيسنجر فهي فردية.

س - إذن أنت تعتقد أن الخيار العسكري لم يسقط؟

ج - لم يسقط حتى هذه اللحظة، وأنا أعني ما أقول، كيف يسقط الخيار العسكري مصريًا وسوريًا وعراقيًا وأردنيًا وفلسطينيًا وجزائريًا وليبيًا؟ هل الترسانة التي عند معمر تعني سقوط الخيار العسكري؟

س - حتى ضد أمريكا؟

ج - ما هو لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة، وأنا أقول إلا «الخيانة» أعيت من يداويها، إنني أتساءل: متى سقط الخيار العسكري؟ وهل من حق السادات أن ينفرد باتخاذ قرار من هذا النوع؟ وإذا كان الخيار العسكري قد سقط فلماذا اجتمعنا عام٧٤ في مؤتمر قمة، لنقرر اعتماد ۱۳۸۰ مليون دولار للدعم العسكري لسوريا ومصر والأردن؟ ولماذا كانت هيئة التصنيع؟ ولماذا كل هذا الإرهاق الاقتصادي الذي يتحمله العرب؟ ولماذا تخصص سوريا أعلى نسبة من الإنفاق العسكري بين الدول العربية؟

إذا كان السادات قد اقتنع بسقوط الخيار العسكري، فلماذا لم يطرح نظريته هذه على أية قمة من القمم العربية؟

 سأحكي لك حكاية، لقد زرت الرئيس السادات أثناء فرض حظر النفط، فقال لي: ساعدني يا أبو عمار علشان نرفع حظر النفط، فقلت له: لماذا يا سيادة الرئيس، نحن لم نأخذ شيئًا، وخرجت من عنده، ودخلت على الملك فيصل، ومعي ثلاثة شهود على هذه الواقعة، فكانت أول كلمة استقبلني بها الملك فيصل هي قوله: لماذا يريد السادات رفع حظر النفط؟ هل استرجعنا القدس؟ هل انسحب الإسرائيليون؟ قلت: لا أعرف، وقد سألته: نفس السؤال.

س- لقد أجريت ثلاثة أحاديث مع السادات بعد حرب ۷۳، وفي كل مرة كان السادات يشرح مفهومه لشعار سقوط الخيار العسكري، إنه يعتقد أن حرب ٦٧ لم تمكن إسرائيل من أن تملي إرادتها علينا، وفي المقابل لم تمكننا حرب ۷۳ من إجبار إسرائيل على قبول ما نريد.

ج - ولكن إسرائيل أملت عليه ما تريد!

س - إنه يطلب إعطاءه فرصة ليثبت أن في استطاعته ان يأخذ بقدر ما أعطى!

ج - نعطيه فرصة؟ بعد ما اعترف للإسرائيليين بالقدس عاصمة لهم؟ بعد ما باع القدس بحفنة من رمال سيناء منقوصة السيادة؟ بعد أن تنازل عن الدولة المستقلة للفلسطينيين وتحول إلى الحديث عن الإدارة الذاتية؟ الإدارة الذاتية التي لا نتحكم فيها حتى على مصادر مياهنا؟ بعدما أخرج مصر من المعركة؟ إني أسألك: عندما يسحب من يدنا ورقة بحجم مصر، ألا يعني ذلك أنه خانني وتركني أصارع الدب وحدي؟

س - يقول إن الإدارة الذاتية هي خطوة أولى في طريق طويل؟

ج - هذا ما يقوله، ولكن بيغن رد عليه اليوم بثلاث لاءات، لا لرجوع القدس، لا للعودة لحدود٦٧، ولا للدولة الفلسطينية، وآخر تنازلات السادات هو ما قبله أثناء تبادل الوثائق عندما سافر إليه وايزمن مباشرة من المعركة هنا في لبنان، ذهب إليه وانتزع منه إقرارًا أثبته في خطابات تبادل الوثائق، وهو أن رأي إسرائيل في الحكم الذاتي محصور في السكان ولا يشمل الأرض.

س - هذا موقف إسرائيل؟

ج - ولكنه وافق عليه عندما تبادل الوثائق وعندما وقع في كامب ديفيد، حتى إن وزير خارجيته استقال ورفض التوقيع، ومن الطبيعي ألا تؤدي مفاوضات الحكم الإداري إلى الدولة الفلسطينية، وأحب أن أقول لك إننا لن نقبل الحكم الذاتي أبدًا مهما حدث، ليس لي ما أخسره في المنطقة، وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني، الوقت في صالحنا وقديمًا، عندما أخذ العربي ثأره بعد أربعين سنة، قالوا له ولماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ قال: بالعكس، لقد استعجلت، وليذكر الإسرائيليون أن دولتهم التي يتحدثون عنها لم تعش أكثر من سبعين سنة، أي إن احتلالهم لبلادنا في أعظم فترات تاريخهم لم يدم أكثر من سبعين عامًا، وقد مر اليوم على دولتهم ٣٢ سنة وباقي لهم ۱۳۸، مع أن حركة التاريخ أصبحت اليوم أسرع.

س - يا أبو عمار أنت تعرف أن التصريحات شيء ونتيجة المفاوضات شيء آخر، وهذا ما قاله كارتر نفسه، بل وأنت تذكر أن إسرائيل كانت تقول: إنه لا يمكن الانسحاب من شرم الشيخ أو سيناء كلها أو العودة لحدود ١٩٦٧ مع مصر.

ج - لا، لا، الأمر مختلف، أولًا السادات لم يحقق معجزة باسترداد شرم الشيخ، فلقد استعادها عبد الناصر قبله عام ١٩٥٦، رغم أن المحتل لم يكن إسرائيل وحدها، بل إسرائيل وإنكلترا وفرنسا، ومع ذلك فلا يزال أمام إسرائيل ثلاث سنوات، ولا أحد يستطيع ان يراهن على نوايا إسرائيل، فإسرائیل تقول اليوم إنها معترفة بحدود لبنان الدولية، ومع ذلك فهي تحتل هي وعميلها سعد حداد سبعمئة كيلومتر من أراضي لبنان، ونفس الشيء يمكن أن يتكرر مع مصر رغم اعترافها بحدود مصر الدولية، لقد أعطت إسرائيل نفسها مهلة ثلاث سنوات لأنها تعرف أن نظام السادات لن يبقى ثلاث سنوات.

س - هل يمكن قبول معركة نقول سلفًا إنها ستستمر لعدة أجيال؟

ج - نعم، حرب الوردتين استمرت مئة سنة!

س - ولكن تخللتها هدنات.

ج - نفس الشيء، هل العرب يحاربون كل يوم؟ إنهم يحاربون ويسالمون ويبنون اقتصادهم، وتسير حياتهم العادية تمامًا كما كانت أثناء الغزوة الصليبية، وإن كنت لا أحب تسميتها بالصليبية، فهذه تسمية أوروبية، فأنا أسميها «غزوة الفرنجة» لقد حارب العرب أجيالًا، ولما جاء التتار، وسقطت بغداد، استمر الصمود العربي، واستردوها ثانية، ليس هذا فقط بل قلبنا الغزاة إلى مبشرين بحضارتنا الإسلامية، فأقاموا في الهند واحدة من أزهى الإمبراطوريات هي إمبراطورية المغول.

س - يا أبو عمار، أنت تراهن على المستقبل في الوقت الذي يتدهور فيه موقفنا، من صراع عربي-إسرائيلي إلى صراع عربي-عربي.

ج - هل قرأت تاريخ حرب الفرنجة؟ هل عرفت قصة شاور وضرغام؟ لقد رفض ضرغام وزير الخليفة الفاطمي في مصر مهادنة الفرنجة، فانقلب عليه شاور وسلم للفرنجة كل شيء، فماذا حدث لشاور؟ جاء صلاح الدين وصلبه، وحارب ٣٣ سنة، ٢٥ منها لتوحيد العرب و٨ سنوات ضد الفرنجة واستعاد بها القدس.

س - ولكن صلاح الدين لم يظهر بعد، الذي يحارب الآن هو أنت وحدك، وأنت وحدك المستهدف.

ج - لكي نكون دقيقين لنقل إني أقف في خط القتال الأول دفاعًا عن الأمة العربية، فلذا أنا في طليعة الأمة العربية أقاتل، وفي يوم من الأيام وقف الحرس الأميري في إسبرطة يقاتل في الممر، وظهورهم إلى الحائط وانتصرت اليونان، لا بد

أن تبقى طليعة تشعل المنطقة، وهذا ما فعلناه بعد ٦٧.

هذا هو قدرنا، إنه ليس خياري وحدي بل هو أيضًا مفروض علي، ماذا فعلنا بعد حرب ١٩٦٧؟ أو على الأصح، ماذا كان دور الثورة الفلسطينية؟ لقد شاغلنا العدو الصهيوني عسكرًيا ونفسيًا حتى تم بناء الجيوش العربية، ونفس الدور نقوم به الآن، علينا أن نبقي المنطقة مشتعلة حتى يتم تعويض الغياب المصري، إما برجوع مصر إلى ساحة المعركة، وأنا على يقين من ذلك، فأنا ابن الجيش المصري، ولا أزال ضابط احتياط فيه، وقد قاتلت أربع حروب، منها اثنتان في مصر عام ١٩٥٢ و١٩٥٦، أو حتى تتعادل الكفة ببناء الجبهة الشرقية!

س - وإلى أن يتم ذلك ستبقى النار مشتعلة في الجبهة اللبنانية وحدها.

ج - لا أحد يعرف هناك طلعات سورية وطلعات إسرائيلية، ويمكن أن يلتحموا في أية لحظة فتمتد النار.

س - ولكنك الآن تحارب فوق أرض منقسمة حولك وحول الحرب التي تخوضها.

ج - أنا لا أحارب، أنا أدافع عن نفسي، إنه وايزمن الذي قال: إنه سيتابع قتال الفلسطينيين في كل زمان ومكان وبكل الأسلحة، وبأساليب لم يجربها الجيش الإسرائيلي من قبل.

لست أنا الذي قال: سأحرق أصابع أبو عمار، لست أنا الذي أعطى الضوء الأخضر لضرب لبنان، بل کارتر، الذي يجعل المتحدث الرسمي للبيت الأبيض يستنكر أية عملية بسيطة نقوم بها بإمكانياتنا المحدودة، دفاعًا عن أنفسنا، وعن أرضنا المحتلة، ولكنه لا يستنكر ضربنا بالطائرات الأمريكية والنابالم الأمريكي والبلاستر بومب، والتوربيد والسمارت والفرغماتيشن شيلس، التي نضرب بها نحن وإخواننا اللبنانيين، فلا يستنكرها البيت الأبيض؛ لأن ذلك جزء من المؤامرة التي اتفق عليها الثلاثة في كامب ديفيد، وهي أن تقوم إسرائيل بدور الشرطي في المنطقة الشرقية، وتقوم مصر بدور الشرطي في إفريقيا.

س - ولكنك عندما تسمح لمقاتليك بضرب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

ج - أنا لم أسمح لمقاتلي، أنا أتحدى من يثبت أننا أجرينا خلال السنتين الماضيتين أكثر من عمليتين من الأراضي اللبنانية، وكانتا دفاعًا عن النفس، وعملية من الأردن وأخرى من سوريا، أي أربع عمليات من الحدود العربية، بينما تعترف الدوائر الإسرائيلية أن مقاتلينا يقومون بعمليتين ونصف يوميًا من داخل الأراضي المحتلة، أي بمعدل ٧٥ عملية في الشهر.

س - ولكنهم يضربونك في لبنان؟

ج - وفي الداخل أيضًا، هل تعرف كم يبلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين؟ ٢٣ ألف معتقل فلسطيني اعترفوا بذلك عندما قامت الضجة العالمية على تعذيب الفلسطينيين، فقالوا إنهم قد حققوا مع ٢٣٥ ألف فلسطيني، وإنه لم يكن من الممكن انتزاع المعلومات منهم إلا بالضغط.

س - الملاحظ أنك تركز على تأثير الثورة الإيرانية في معادلات المنطقة، فهل تساعدكم الثورة على مواجهة حملات التحريض التي تثار ضدكم في جنوب لبنان؟

ج - نحن غير قلقين من هذا التحريض، فليست هذه هي المرة الأولى التي يستخدمون فيها مثل هذه الأساليب، فهذا الشعب اللبناني البطل أفشل كل محاولات إسرائيل، أو التي يبذلها سعد حداد والجبهة اللبنانية، لقد أفشل كل المؤامرات رغم الفقر والترغيب والترهيب هذا المستوى من الوطنية، والإحساس بالمسؤولية القومية ينفي القلق، نحن نشاركهم في السراء والضراء، وقد فتحوا لنا الصدور قبل الدور.

س- ولكن هناك شكاوى في الجنوب؟

ج - نعم هناك شكاوى، وهذا أمر طبيعي، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمنا بحجر، أي جيش يتواجد في مثل هذه الظروف لا بد أن تحدث منه شكاوى، ولكن هناك تضخيم في هذه الشكاوى، نحن على سبيل المثال، كنا مجتمعين كمجلس عسكري مع لجنة الأمن المشتركة، وقد أصدرنا تعليمات ضد أية تجاوزات، ونحن أيضًا أخلينا مدينة صور من جميع مكاتب الثورة الفلسطينية، ومع ذلك ضربت إسرائيل المدينة، فنحن لسنا أكثر من ذريعة تتخذها إسرائيل.

س - أهل الجنوب تعبوا يا أبو عمار.

ج - ونحن أيضًا، ولكن الفارق بيني وبينك يا سليم أنني لا أنظر إلى الأمر بعين لبنانية أو عين فلسطينية بل أتطلع للمستقبل، بعيون أولادنا الذين سيعيشون على هذه الأرض، ابنك وابن أبو اللطف (فاروق قدومي) وابن أحمد (عبد الرحمن) وابن باسل (قدومي) وابن هاني (سلام)، هل يريدون أن يعيشوا أحرارًا فوق هذه الأرض أو عبيدًا كما هو الحال في روديسيا؟ هل نقبل أن نكون الهنود الحمر في هذه المنطقة؟

س- هذه نقطة هامة جدًا يا أبو عمار، هل نجحت في توحيد قضيتك مع قضيتي لتصبح قضيتنا واحدة؟ مثلًا أنت الذي تأخذ القرارات فوق الأراضي اللبنانية دون أية مشاركة مني، ولو نجحت في لبنان في الوصول إلى صيغة توحد القضيتين، لأصبح الخندق الفلسطيني يتسع لكل العرب.

ج - يجب أن يكون مفهومًا أنه توجد قيادة لبنانية فلسطينية مشتركة، وهي التي تأخذ القرارات فيما يتعلق بما يجري على الأرض اللبنانية، وأنا أعني ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي؛ لأنني لا أتدخل في الشؤون اللبنانية.

س - يقولون إن القرارات فلسطينية حتى وإن نفذها اللبنانيون معكم!

ج - هذا ليس صحيحًا، وأستطيع أن أعطيك محاضر جلسات المجلس العسكري المشترك والقيادة السياسية المشتركة، وعلى كافة المستويات بين الحركة الوطنية والجبهة القومية.

س - لنأخذ مثالًا آخر، فعندما يستشهد فلسطيني فأنت مسؤول عنه، وعن تعويض أهله، وعن تعليم أولاده، وعن ترميم بيته، ولكن من المسؤول عن القتيل اللبناني؟

ج - أنا المسؤول عنه، لقد سألني أمس حسين الحسيني (نائب بعلبك) لماذا أصدرت قرارًا اعتبرت فيه شهداء المحمرة (شمال لبنان) هم شهداء الثورة الفلسطينية، وسكت عن الجنوب؟ فقلت له مصححًا: أنت تعرف يا حسين أن هناك قرارًا قديمًا اعتبر شهداء الجنوب هم شهداء الثورة الفلسطينية، فطلب مني أن أصدر توضيحًا لهذه النقطة، وفعلًا تلفنت لأحمد عبد الرحمن رئيس تحرير جريدة فلسطين الثورة، فنشر هذا التوضيح في عدد اليوم.

س - إذن هذا السؤال متداول؟

ج - متداول طبعًا، ولكننا نعتبر كل شهيد-لقد اتخذنا قرارًا في المجلس لبناني-هو من شهدائنا الوطنيين، بأننا لسنا شركاء مع إخواننا اللبنانيين في الدم فقط، بل شركاء في الدم والمال معنا، فطالما هم يشاركوننا في الدم، فلا بد أن نتقاسم معهم ما يأتينا من مساعدات، قلت أو كثرت، ولقد دفعت منذ مدة عدة ملايين الليرات تعويضات في صور وما حولها، هذه هي الجوانب الغير المعروفة عن الثورة الفلسطينية للأسف!

س - من واجبكم تعريف الناس بها، لتواجهوا الدعايات المضادة.

ج - لا تنس أن الكثير مما يكتب عن الثورة الفلسطينية، هو من فعل الأجهزة الأمريكية المسيطرة-للأسف-على جهاز الإعلام.

س - وهل أفهم من حديثك أنك أسقطت الخيار الأمريكي، أقصد أسقطت إمكانية الحوار مع الأمريكيين؟

ج - أنا؟ أنا أتمنى أن أتحدث مع الأمريكيين، فليتفضل كارتر ويقل إنه يريد التحدث مع الفلسطينيين، مع منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ونحن نأخذ في اليوم التالي قرارًا في القيادة الفلسطينية، ونرسل له أبو

اللطف (فاروق قدومي) ليتحدث معهم.

س - کارتر قال شيئًا يشبه ذلك في حديثه مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، عندما قال إن واشنطن مستعدة للاعتراف بمنظمة التحرير، إذا هي اعترفت بالقرار رقم ٢٤٢ ولو مع التحفظات.

ج - هذه هي النقطة، لماذا توضع الشروط علي أنا وحدي؟

س - وأنت أيضًا تشترط الاعتراف بك مسبقًا؟

ج - من حقي أن أطالبه بالاعتراف لأن ۱۰۵ دول في الأمم المتحدة تعترف بي، ولأن كارتر إذا كان حريصًا على السلام، فلا بد أن يعرف أن السلام في الشرق الأوسط يمر من القضية الفلسطينية، لن يقبل عربي، ولن يقبل مصري، أنا لا أتحدث عن السادات، السادات خرج من المعادلة ومن الحسابات، أنا أتحدث عن الشعب المصري.

سأقرأ لك ما كتبه الأساتذة الصهاينة، حول الكابة في مصر.

"أعلن أساتذة إسرائيليون زاروا القاهرة مؤخرًا أن المثقفين المصريين يشعرون بالكآبة ويتخوفون من نتائج الصلح المنفرد، الذي أدى إلى عزل مصر عن العرب، وقال فاربورغ-أحد المتحدثين في هذه الندوة–وكان يتحدث في إذاعة إسرائيل: إن المصريين أفهموه أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مع مصر وحدها، فهم لا يؤمنون باستطاعة مصر في المضي في هذا السلام والتحدث باسم الفلسطينيين بعيدًا عن الفلسطينيين.

وأكد «فاربورغ» أن هناك سخطًا وضيقًا حول اتفاقية الصلح، وأن هذا السخط يمكن بمرور الوقت أن يشمل

قطاعات واسعة من المصريين.

وكان هؤلاء الأساتذة يتحدثون عن انطباعاتهم في ندوة عقدوها بعد العودة من مصر.

س- نقلت بعض المصادر عن الأمريكيين أن الأمير فهد عندما زار واشنطن في ربيع ۱۹۷۷، طلب تعديل القرار ٢٤٢ على أساس أنه إذا عدل فقد تعترفون به، وبعد اجتماع فانس بغروميكو، جاء إلى الطائف وهناك اتفقوا معك على إقناع اللجنة التنفيذية بقبول القرار ٢٤٢ على أساس التعديل الذي طلبه الأمير، هل هذه الرواية صحيحة؟

ج - يمكنك ان تسأل إسماعيل فهو (وزير خارجية مصر السابق) فهو يعرف أنها غير صحيحة؛ فالأمريكيون لم يوافقوا على أي شيء يختص بالفلسطينيين، ولكي تتضح لك حقيقة القصة، جاؤوا وقالوا لنا: إذا اعترف الفلسطينيون أو صدر تصريح من قبل أي مسؤول فلسطيني حول القرار ٢٤٢ بالتحفظات التي تريدونها فنحن نقدم التالي:

أولًا: نعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية.

ثانيًا: التحدث مع الفلسطينيين.

ثالثًا: التعهد بقيام دولة فلسطينية مستقلة.

عقدنا اجتماعًا في المجلس المركزي في دمشق، وعرضنا الأمر عليهم، فقال الأعضاء: نريد ضمانات، وانتدبوا ثلاثة للتوجه إلى السعودية، فذهبوا وعادوا ليخبروننا بتراجع أمريكي كامل، فالأمريكيون قدموا القرار ٢٤٢ بتحفظهم هم، وهذا كلام مسجل في محاضر رسمية، لم يقبلوا تحفظنا الذي طرحناه، كنا اقترحنا في المجلس المركزي أن يضاف النص المتضمن في القرار ٣٢٣٦، الذي بموجبه صدر القرار ٣٢٣٧ الذي سمح لنا بحضور مجلس الأمن كمراقبين، ولكنهم أصروا على تحفظهم هم وهو لا يغير شيئًا، بل يثبت ما هو موجود فعلًا، وقالوا إذا قبلتم ذلك تتحدث معكم أمريكا، وإن سايروس فانس ينصحكم بقبوله وإلا فأنتم أحرار.

وعقدنا اجتماعًا استثنائيًا للمجلس المركزي وسألناهم رأيهم، قال الأعضاء: شكرًا! هذا ما توقعناه من الأمريكيين، ألم نقل لكم إنهم بلا أخلاق، ولا يرتبطون بشيء؟ ألم يقل كارتر في بداية عهده: «هوم لاند» (وطن قومي) للفلسطينيين؟ انظروا ماذا يعطينا الآن؟

س ـ إدارة ذاتية؟

ج - إدارة ذاتية، ويسعى لأن يكسبها الشرعية، مظلة الشرعية المصرية، ومظلة الشرعية الأمريكية، ويحاول أن يعطيها مظلة الأمم المتحدة.

س - كيف تكون إسرائيل أداة أمريكية–كما تقول-ومع ذلك نرى الرئيس الأمريكي يستجيب في كل مرة للضغط الإسرائيلي، ويتراجع عما وعد به علنا، وعن العهود التي أعطاها للسعوديين، بل ويضطر أن يبلع بعد أقل من ٤٨ ساعة البيان الأمريكي-السوفياتي.

ج - يلحس البيان.

س - ألا يعني هذا أن أمريكا هي الأداة للصهيونية؟

ج - المهم أنهم وجدوا في السادات الأداة التي أنقذت الأمريكان من المأزق الدولي، أنقذتهم جميعًا من العزلة ومن وعودهم، وأنقذت الإسرائيليين العالمية، وأخيرًا حول الإرهابي بيغن إلى شريك معه في جائزة السلام، تلك الجائزة التي سمتها غولدا

مئير جائزة «الأوسكار»، لست أنا الذي وصفها هذا الوصف بل غولدا مئير لأنها كانت تعرف أبعاد اللعبة!

وهنا قال أحد الحاضرين: الله يرحمها، فقاطعه أبو عمار: لا، يجب أن نذكرها بالسوء، فهي التي قالت: يقلقني صباح كل يوم عدد الأطفال الفلسطينيين الذين يولدون في إسرائيل، هذه المرأة الحاقدة الكريهة، ما من امرأة لا تحب الأطفال إلا هذه.

س- هل صحيح أنكم وراء قرار تخفيض إنتاج النفط في الخليج؟

ج - بعض الناس قالوا لي: أنت تهدد أمريكا، قلت: أنا لا أهدد أمريكا، بل نحن نساعد على دفع الأمور لكي تتجه الاتجاه الصحيح في مجرى الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، نحن لا نضرب إلا في العظم، في المفاصل، عندما قال بريجنسكي:

باي، باي P.L.O.، أين كان الرد؟ في طهران، الرد أعطاه بالطبع حلفاؤنا الإيرانيون، بإسقاط أقوى قاعدة للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط، عندما حولها الثوار الإيرانيون إلى دولة، نحن لا نتكلم كثيرًا، إنني أستعير هنا مواجهة شعار يحبه أبو اللطف ويردده دائمًا وهو: «العمل أعلى صوتًا».

س - يا أبو عمار، لم ترد على سؤالي، هل أنت خلف خفض إنتاج النفط؟ ولو أن التقارير تنسب الأزمة الحالية لأسباب أخرى غير انخفاض الإنتاج؟

ج - أنا لا أنتج نفطًا حتى أخفضه أو أرفعه.

س - ولكنك توصف بأنك صاحب القرار، خصوصًا بعد مؤتمر بغداد؟

ج - لا، أنا لست صاحب القرار، أنا مشارك مع إخواني.

س - بل أنت تفرض الخوة والقرار؟

ج - لا، أنا قرأت مقالك.

س- هذا كلام الأمريكيين؟

ج - أنا أشارك مع إخواني في صنع القرار وبحجمي، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

س - يعني ليس لكم علاقة بالنفط؟

ج - هناك كلمتان في قاموس الشرق الأوسط تبآان بحرف الـP في اللغة الإنكليزية، فلسطين (Palestine) والنفط (Petrol)

س - (وعلى ذكر الحروف قلت بيفن يسميكم P.M.O أي: منظمة «القتل الفلسطينية»، وقد علق الأخ باسل على ذلك سائلًا: وهل بيغن رئيس منظمة للإحسان؟)

ج - (وأكمل أبو عمار(: من السخف أن يتحدث عن الإرهاب مجرم مثله مطلوب للعدالة البريطانية مقابل عشرة آلاف جنيه، على كل حال النازيون سموا ديغول بالإرهابي، والفرنسيون وصفوا هوشي منه نفس الوصف، وجورج واشنطن كان إرهابيًا في بيانات الجيش البريطاني، والجزائريون سموهم بالإرهابيين، وحاليًا كل المناضلين في إفريقيا يسميهم الاستعمار بالإرهابيين، عندما تكلمت في الأمم المتحدة، قلت: كم من الجالسين هنا أمامي، كان يوصف بالإرهابي في مرحلة كفاحه الوطني؟

س - توجد نغمة في بعض الصحف العربية تطالب بمعاقبة الشعب المصري وطرد المصريين من العالم العربي؟

لا، هذه غلطة، بل هي جريمة وخيانة، من يقول هذا القول أو حتى يردده، يشارك في الجرم وقراراتنا في بغداد واضحة، سواء كانت قرارات القمة أم قرارات وزراء الخارجية والمال، وكلها ركزت على الشعب المصري، وطالبت بتشجيع المؤسسات والأفراد المصريين، الذين لا يشاركون في هذا العمل الخياني، نشجعهم اقتصاديًا وثقافيًا، ونساعدهم بكافة السبل.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1979، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 299، 300، 301، 302، 303، 304، 305، 306.

مجلة "فلسطين الثورة"، بيروت، العدد 383، 4/6/1979، ص 11 ،15.

مجلة الحوادث، لندن، ۱۹۷۹/٦/١، ص ۱۸، ۲۲.