حديث صحفي للسيد كمال عدوان، أحد قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح "، حول بعض الخلافات مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
حديث صحفي للسيد كمال عدوان، أحد قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح "، حول بعض الخلافات مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
بيروت، 16/1/1971
تجربة الجبهة الشعبية في الساحة الفلسطينية طويلة، وكانت تتخلف دائمًا عن كل محاولة أو نداء وحدوي، عندما دعت "فتح" إلى لقاء في القاهرة عام ١٩٦٨ من أجل البحث في الوحدة الوطنية في الجبهة، وكانت الوحيدة التي تتخلف من بين بقية التنظيمات، كذلك تخلفت في العام التالي والحجة بالطبع كانت حول عدد المقاعد التي ستنالها.
ثم أنشأنا الكفاح المسلح حيث التكافؤ في التمثيل، أي ممثل لكل طرف شكل طرفًا، فتخلفوا أيضًا، وكانت في حينه، سياسة المراضاة والتوفيق هي سياسة التعامل في الساحة الفلسطينية، لكن كلما تهدد الخطر أحدًا نجتمع، وسرعان ما نفترق، طرحنا فكرة الوحدة بعد أحداث شباط 1970، وظللنا نبحث طوال ثلاثة أشهر في كيفية الاتفاق حول القيادة الموحدة، في الوقت الذي كنا نخوض معركة مشروع روجرز وكيفية الخروج من المأزق جاءت قضية الطائرات، أين حطت الطائرات؟ في الأردن، أي في البلد الذي يقول أصحاب الطائرات إن فيه تناقضًا حتميًا بينه وبين المقاومة، أي في البلد الذي يرى مشروع روجرز كأنه قطعة حلوى ثمنها الصدام مع الثورة، تدخلت اللجنة المركزية في قضية الطائرات، فرفضت الجبهة الشعبية الالتزام بما تقرره اللجنة المركزية رغم وجود برنامج عمل متفق عليه منذ أيار۱۹۷۰ يتعلق بالالتزام في قضايا الأمن عندها جرى تجميد عضوية الجبهة في اللجنة المركزية، فجأة شهر النظام سلاحه وتحركت الدبابات.
تحاول "فتح" دائمًا رغم كل المعارك التي فرضها النظام الأردني علينا، تكريس الجهد الفلسطيني في ساحة القتال ضد العدو في الأراضي المحتلة، لكن بعض المنظمات كان يعطي النظام مبررًا لهذه المعارك، نحن في حاجة إلى قاعدة آمنة لثورتنا، ونتفادى الدخول في أي صدام مع هذه القاعدة.
لا بد من الاعتراف: تحملت الثورة الفلسطينية في الأردن واجبات غير فلسطينية، وطرحت نفسها كبديل للحركة الوطنية الأردنية، وصارت تهتم بإضراب عمال مطاعم الفلافل، وهي لم تكن حامية لهذا الإضراب بل كانت المحرض، حرب أيلول لم تكن حربًا أهلية، وقد قالوا بعدها إن هؤلاء الفلسطينيين يريدون إقامة دولة فلسطينية من الضفتين على أنقاض الدولة الأردنية.
أصبح هناك بعد أحداث أيلول انقسام بين الأردني والفلسطيني. لا يمكن وجود حركي وطنيتين على ارض واحدة ولا بد من حصول صدام بينهما، حاولنا من جانبنا كلجنة مركزية، ضبط التحرك الفلسطيني بتحرك واحد غير مزاجي، بدأنا بنقطة البدء، وهي لا بد من وجود قيادة واحدة، اللجنة المركزية في تمثيل للمنظمات وليست قيادة واحدة، فشكلت أمانة السر لتكون القيادة للعمل الفلسطيني، وبدأنا نبحث في كيفية إقناع المواطن الأردني العادي بأن ثورتنا لا تشكل خطرًا على كيانه ولا تنوي إقامة دولة على أنقاض الدولة الأردنية.
العنجهية والاستعلاء في سلوك الفدائيين لا بد من معالجتهما، فعندما اصطدمنا مع الجيش الأردني في الكرامة خرجت الجماهير الأردنية لمساندة الفدائيين، أما في معركة جرش الأخيرة كانت الجماهير الأردنية ترقص فرحًا، قلنا لوصفي التل-بسبب عدم وجود ثقة متبادلة بيننا وبين السلطة-تريد مجموعة ممارسات من الحكومة تقيم جسرًا لعودة الثقة، مطروحة الآن في الأردن نظرية حرب العصابات، صارت كأنها موضة الموسم، لكن حرب عصابات أين؟ في الأردن؟ وضد من؟ ضد المواطن الأردني أم ضد الجيش الأردني الذي يشكل مؤسسة اقتصادية في تكوينه الاجتماعي لأنه ينتمي إلى كل بيت في الأردن؟ ثم ما النتيجة؟ طرح الوفد المفاوض صيغة الاتفاق وعرض على اللجنة المركزية بحضور كل من ياسر عرفات، وجورج حبش، ونايف حواتمه، وإبراهيم بكر، وكمال عدوان، وحامد أبو ستة، ويوسف قطفاني ومندوبين آخرين عن المنظمات، أقر الاتفاق، كان هناك تحفظ إعلامي من جانب ياسر عرفات وجورج حبش يتعلق بإعلان البند الخاص بجمع السلاح من الميليشيا وإيداعه والتأكد من جمعه، واعتبر أن إعلان هذا البند قد يسيء إلى الثورة الفلسطينية.
عدنا إلى عمان وأـرسل معنا حبش رسالة إلى رفاقه في عمان تدعوهم إلى الالتزام بالاتفاق، ثم أرسل من وراء ظهورنا رسالة أخرى يطلب فيها عدم الالتزام متذرعًا بعدم موافقته على النقطة المذكورة، اجتمعنا بالإخوان في الجبهة، وسألناهم عما يريدون، وقلنا إننا نستطيع إلغاء هذه النقطة، ثم حدث أن قامت الجبهة بعمليات ضد الجيش الأردني فاجتمعت أمانة السر واللجنة المركزية وقررتا، في بيان وزع على الصحف، إدانة الجبهة الشعبية ومحاكمة من قاموا بهذه العمليات.
ثلاثة أشياء رئيسة يجب التأكيد عليها:
أولًا- إن الثورة الفلسطينية التي أغرقتها الشعارات المزايدة، لن نسمح لأحد أن ينحرف بها عن أهدافها.
ثانيًا- مسيرة الثورة يجب أن تكون بعد الآن مسيرة واحدة وغير مسموح مطلقًا بممارسة المزاجية فيها.
ثالثًا- سياسة التوفيق والمراضاة في الساحة الفلسطينية انتهت، وبحكم كوننا في المسؤولية الآن نتحمل مسؤولية استمرار الثورة وحمايتها، ولن نسمح لأحد مهما كان موقعه بتعريضها للخطر ولو اضطررنا إلى استخدام القوة.
نحن لسنا حماة للنظام الأردني، لكننا حريصون على توفير القاعدة الآمنة للثورة بأية طريقة وبأي شكل، قاتلنا النظام الأردني ونحن في عمان ولم نقاتل ونحن في كوريا، وحينما أصبح ممكنًا إيجاد نوع من العلاقات التي تحكمها الاتفاقات والضمانات العربية، لم نتردد في قبولها على أمل أن نتمكن من ممارسة واجبنا الأساسي في مقاتلة العدو في الأرض المحتلة، حين وجدنا في النظام الأردني اتجاهًا في العودة إلى الالتزام بالاتفاقات لم نتردد في الاتفاق ولو أن هذا الأسلوب أصبح ممجوجًا على مستوى الجماهير العربية.
لدينا علامة استفهام كبيرة على الجبهة الشعبية، أنا أعتقد أن هناك ارتباطًا بين الجبهة الشعبية والسلطة الأردنية إن لم أقل أكثر، مثلًا عند ميلاد الجبهة الشعبية، عندما كانت شباب الثأر، قالوا في ۱۲ أيار ١٩٦٧ إنهم قاموا بعملية استطلاع لكنهم لم يعلنوا في بيانهم عن أية عملية، كانت الجبهة تريد حجز دورها لدى تحرك الرئيس عبد الناصر آنذاك عندما كان الجميع يرون أن انتصار العرب حتمي، وفي حزيران ١٩٦٧ أجرت "فتح"، اتصالًا مع الجبهة لإيجاد صيغة اتفاق، وكانت "فتح"، تؤجل عملياتها في الأرض المحتلة، وفي انتظار هذا الاتفاق اكتشفت لنا ١٣ قاعدة في الضفة الغربية.
وعندما بدأت متاعب الشقيري ظنت الجبهة أنها الوريث الوحيد له، وعندما ولدت الجبهة الشعبية في 10 كانون الأول ١٩٦٧، بعدما كانت شباب النار، دعت "فتح" في كانون الثاني ١٩٦٨ إلى وحدة، فجاءت إلى الاجتماع كل المنظمات وتغيبت الجبهة الشعبية، في معركة الكرامة هربت الجبهة الشعبية، انسحبت من المعركة دونما إشعار، وهذا لن تخفيه سفسطات البعض وتأليفات من كتب بعد المعركة بشهرين، أي بعدما نسي الناس، آنذاك رفضنا الالتقاء مع الجبهة الشعبية في المجلس الوطني الفلسطيني؛ لأنه ليست هناك ضمانة بأن الجبهة ستلتزم، وفي المجلس الوطني الرابع الذي عقد في تموز (يوليو) ١٩٦٨، وكان أول مجلس تلتقي فيه المنظمات المقاتلة، طرحت "فتح"، ضرورة تعديل الميثاق
الذي أعد في القدس عام 1964، فعارضت الجبهة في تعديل الميثاق، سألناهم: لماذا؟ فقالوا: الميثاق ليس ضروريًا، "هيدا القرآن موجود، وما حدش بيقرأه"، رهنا وجودنا في المجلس بتعديل الميثاق فعدل تعديلًا نسبيًا وليس كليًا.
كونا مكتب تنسيق فانشقت الجبهة الشعبية إلى قيادة عامة وجبهة شعبية، وصار كل فريق يريد أن نعترف به كجبهة شعبية، جمدت عضويتها في مكتب التنسيق، لكن الخوف يلم الكل، عند أول صدام دموي بينهما، وفي هذا الخلاف اعتبرنا جورج حبش متحيزين إلى جانب حواتمة، ثم رفضوا الدخول في الكفاح المسلح، الأرشيف واسع وطويل عنهم وعن ممارستهم، ثم جاءت الجبهة في 10 شباط 1970 لتلتحم مع الآخرين تحت الرصاص الأردني.
هل وجود المنظمات هو الهدف، أم وجودها من أجل الهدف ؟
في 10 شباط 1970 طرح اتفاق مع النظام الأردني، فرفضته الجبهة، فقلنا لهم إن كنتم تريدون مواصلة القتال أعطونا تقديرًا عن القوات التي ستدفعونها في المعركة سواء في عمان أم في السلط أم في أربد، سأقول النسبة حتى لا أقول الأرقام، لقد كان التقدير الذي أعطوه خمسة في المئة من مجموع المقاتلين الكلي، وكان عشرة في المئة مما كانت ستدفع به "فتح"، في 7 حزيران 1970 مارست الجبهة مجموعة تصرفات هي أقرب ما تكون إلى مؤسسة شؤون اجتماعية أو عمالية، فدخلت مجموعة إضرابات، وقبلها خطفوا الملحق العسكري الأمريكي، فكانت عملية في منتهى الاستفزاز والتحدي، وكانت معلوماتنا تؤكد أن الحكومة تنوي إشعال صدام بین ۱5 و20 حزيران مقررت القيادة الموحدة آنذاك اتخاذ إجراء حاسم مع الجبهة، ففوجئنا قبل تنفيذ هذا الإجراء الحاسم بقيام الجبهة باشتباك مع الحكومة الأردنية.
وجاء موضوع الطائرات، وجمدت عضوية الجبهة لعدم التزامها بقرار اللجنة المركزية، كان هذا في 14 أيلول واشتعل الصدام في16 منه، يوم الأربعاء 6 كانون الثاني الجاري وزعت الجبهة بيانًا تهاجم فيه انفرادية "فتح"، فقررنا اتخاذ قرار حاسم بحق الجبهة، فوجئنا بمطالب الحكومة الأردنية فتوقفنا لمواجهة مطالب الحكومة، أريد أن أعرف ما هي العلاقة بين هذه الحوادث، ولماذا كلما قررت الثورة الفلسطينية اتخاذ موقف حاسم إزاء مزاجية الجبهة يجري تحرك أردني؟ هل هناك خيط مشترك بينهما؟ هل تريد الجبهة بالفعل أن تسقط النظام الأردني؟ هذا كذب، إلا إذا أرادت أن تعامل برجال "فتح" وهذا شيء آخر.
ميزان قوى الجبهة الشعبية هو أقل من القيادة العامة وقوات التحرير الشعبية، وأقل من الصاعقة، هو أقل من أية منظمة تظنونها رئيسة، أنا شخصيًا أشك أن في الجبهة الشعبية خيطًا يريد أن يعطي السلطة الأردنية مبررًا لفرض صدام، مبررًا أمام جماهير الأردن وأمام الرأي العام العربي حتى تبدو الحكومة الأردنية كأنها مظلومة ومعتدى عليها، لن نسمح مطلقًا لمزاجية مغامر، يريد أن يعوض عقدة نقص لغيابه في كوريا، أن يقيم مذبحة جديدة، الجبهة الديمقراطية في هذه المرحلة عبرت عن منتهى الالتزام وقد قال حواتمه: «لن نسمح لأية قوة تهدد مسيرة الثورة ونحن ضد كل مغامرة وانحراف، ويستوي لدينا في النتيجة الطرفان».
إن اللجنة المركزية وذراعها الضاربة "فتح" ستستعمل حتى القوة من أجل حماية الثورة، إن جورج حبش انسحب من أمانة السر لأنها قررت محاكمة الجبهة، ولكنه لم يبلغنا رسميًا بعد، أن الصاعقة والجبهة الديمقراطية تنصلتا من البيان الذي ورد فيه توقيعهما مع الجبهة الشعبية، الذي يتضمن تهجمًا على "فتح"، إن جورج حبش موجود في جرش بحماية (فتح) وإن الحديث عن حرب العصابات ماذا يعني؟ هل يريد أن يذبح الناس في عمان؟ لكن هذا لا يعني أننا لا نلجأ إلى أي أسلوب من حرب عصابات أو غيرها، إذا لم تلتزم السلطة الأردنية بالاتفاقات، إلا أن هذا يتطلب درسًا واعيًا ودقيقًا.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية،1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 75، 76، 77.
النهار، بيروت، 17/1/1971.