الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول مؤتمر القمة العربي وتطور الثورة المفلسطينية

حديث صحفي للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة

التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول مؤتمر القمة العربي وتطور الثورة المفلسطينية

14/1/1970

لقد جرت (فركشة) مقصودة لمؤتمر القمة، ولقد شممت رائحة الحلول السلمية، أو بالأحرى الاستسلامية، التي أطلقت «لفركشة» المؤتمر، ولكن ثقوا أن الثورة التي أيقظت الشعب اللاجئ وأحالته إلى شعب مقاتل، أيقظت كذلك الضمير العربي والكرامة العربية، وأمتنا أمة كبرياء وأمجاد وانفعالات، ولا يمكن لها أن تسمح لثورة ضميرها بأن تصفى، إن كل مشروع سلمي وكل حل قدم للدول العربية حصلنا على نسخة كاملة منه، وفي كل حل هناك بند أساسي يطالب برأس الثورة الفلسطينية.

لقد كنت دائمًا أقول إن عام ١٩٦٩ هو عام المؤامرات العربية على الثورة، وقد انتصرنا عليها كلها، وها أنا أقول الآن إن عام ۱۹۷۰ هو عام المؤامرات الدولية على الثورة، وأعيد التأكيد أننا سننتصر عليها أيضًا.

لقد سمعتم تصريحات جورج براون المتفائلة عن الحل السلمي، وقد كنت في بغداد وجاء براون إليها محاولًا مقابلتي، فغادرت العاصمة العراقية على الفور إلى الكويت.

في هذا الشهر أصبح عمر الثورة خمس سنوات منذ إطلاق رصاصتها الأولى، وقد تعرضت هذه الثورة في البداية لحملات تشكيك، بعضها عن سوء نية والبعض الآخر بحسن نية، وعلى الرغم من ذلك استمر تقدمها وحققت انطلاقتها الكبرى بعد معركة الكرامة، وإذا كنا نتوخى الحقيقة والبعد عن المبالغة ونريد التقييم الصحيح، يمكننا القول إن الثورة الآن هي في بداية طريق تشكيل خطر على إسرائيل، إنها حتى الآن لا تشكل هذا الخطر بل بداية طريق تشكيل خطر على الكيان الصهيوني.

لقد تعرضت الثورة، كما ذكرت سابقًا، إلى حملات التشكيك وتعرض شعار (الدولة الديمقراطية) الذي طرحته إلى حملة مركزة حتى من بعض الإخوان العرب.

إن هذا الشعار الذي طرحته (فتح)، يأتي بعد الشعار الأساسي الذي يقول بتحرير الأرض والقضاء على الكيان الصهيوني، ثم إقامة الدولة العربية الديمقراطية على أنقاض هذا الكيان التوسعي المجرم، وهكذا يستطيع الفلسطيني (المسيحي والمسلم) أن يعيش مع اليهودي بنفس الحقوق والواجبات.

ولو كنا نريد طريقًا غير طريق التحرير، لكنا قد قبلنا العروض التي قدمت لشعب فلسطين بالعشرات من أجل إقامة دولة وكيان فلسطين إلى جانب الدولة والكيان الصهيونيين، ولكننا رفضنا هذا، وفي رفضنا يموت الكثير منا يوميًا، وأمس فقط فقد خمسة شهداء.

كما إننا نرفض كلام أحمد الشقيري عن إلقاء اليهود في البحر، إن العقل العالمي لا يقبل بذلك ونحن لا نقبل به، ولكننا لن نقبل إطلاقًا بسرقة وطننا وأرضنا وبيوتنا وتشريد عائلاتنا.

إننا لن نقوم بتصفية أي تنظيم فدائي بطريقة العنف، كما حدث في الثورة الجزائرية، لقد كانت هناك سبع

منظمات في الجزائر صفيت بالعنف، وفشلت مفاوضات إيفيان الأولى بسبب إصرار جبهة التحرير الوطني الجزائري

على كونها الممثل الوحيد للشعب الجزائري، في حين كانت فرنسا تريد إشراك حركة مصالي الحاج وغيرها.

في الثورة الفلسطينية 33 تنظيمًا صفي منها عن طريق حل نفسها وعن طريق الاندماج في منظمات أخرى وعن طريق فقدان المبادرات، حوالي 23 تنظيمًا، وبقي من بقي في الساحة.

إننا لن نقدم على التصفية المسلحة لعدة اعتبارات، أولاها: أننا لا نؤمن بهذا الأسلوب أساسًا، ثانيًا: لأن هذه المنظمات وتناقضاتها هي من تناقض الأمة العربية، وهل نحن إلا جزء من هذه الأمة؟ وثالثها: أن بعض هذه المنظمات

تابع لدول عربية، والخلاف المسلح معها يعني خلافًا مسلحًا مع هذه الدول.

إن الثورة الفيتنامية تضم من خلال جبهة التحرير الوطني الفيتنامي ٢١ تنظيمًا، يشكل (الفييتكونغ) عمودها الفقري، وإن (فتح) بالنسبة للثورة الفلسطينية تشكل العمود الفقري.

إن قوة (فتح) تنبع من عدم استعدادها مطلقًا لتصنيفها يسارًا أو يمينًا، شرقًا أو غربًا، ولعدم استعدادها أيضًا

للارتباط بأية دولة عربية، لقد تلقت (فتح) عروضًا كثيرة من دول عربية تحاول إغراءها بالمال والسلاح عندما كانت لا تزال بحاجة ماسة إلى أي شيء، ولكنها رفضت كل هذه العروض، هناك ستة محاور للأقطار العربية الآن، فإلى أي محور تنضم؟ ولماذا تختلف مع المحاور الأخرى؟

س - ما هو هدف زيارتكم للكويت ومنطقة الخليج العربي؟

ج - بعد انتهاء مؤتمر القمة العربي الخامس في الرباط زرت دول المغرب العربي كلها، ثم قمت بزيارة القاهرة، وبغداد والكويت، وها أنا الآن في الخليج وغدًا في السعودية وغيرها تنفيذًا لتوصية مؤتمر القمة من أجل إجراء اتصالات ثنائية مع كل دولة، بغية تخصيص مبالغ لمنظمة التحرير.

وإني أريد أن أوضح حقيقة ما جرى في الرباط  فقد خصصت مبالغ لعقود تسلح ستقوم بها الجمهورية العربية المتحدة فورًا، بخمسة وثلاثين مليون جنيه.

وفي الجلسة الأخيرة للمؤتمر، أثارني جو المؤتمر فتكلمت بصراحة وقلت: إن الثورة سائرة لن تتوقف، لقد قامت من غير مؤتمر أو توصيات وستواصل مسيرتها التاريخية من غير مؤتمرات وتوصيات، وتحدثت عن تضحيات الفدائيين وصمود أبناء فلسطين في غزة والضفة الغربية، وعن الإرهاب ونسف البيوت.

ولما انتهيت من كلمتي تقدم مني الأخ الرئيس جمال عبد الناصر وقال: (أخ أبو عمار، إني أتنازل عن المبالغ المخصصة للجمهورية العربية المتحدة لصالح شعب فلسطين ودعم صموده، ولصالح الثورة الفلسطينية)، فأجبت قائلًا: الأخ عبد الناصر، إني أرفض أخذ شيء من فم الشعب المصري، أو عن طريق الجندي المصري الذي يخوض يوميًا أشرف المعارك على جبهة القناة ويتعرض لأشرس الاعتداءات.

إني لم أطلب أي مبلغ محدد من أي قطر عربي زرته، ولكني قمت بشرح تفصيلي إحصائي للتضحيات والاحتياجات للشعب والثورة الفلسطينية، وتركت للأقطار العربية تحديد مساهمتها، أما بالنسبة إلى مبلغ الأربعة ملايين دينار ليبي، فإن الحديث بشأنه جرى قبل مؤتمر القمة، وقررت ليبيا دفعه لنا في أول الشهر الرابع من العام الحالي، وأبدت استعدادها لتقديم أكثر ما يمكنها من مساعدات أيضًا.

إننا لا نواجه إسرائيل وحدها، بل نواجه معها القوى الإمبريالية الاستعمارية كلها، وأريد هنا أن أعطيكم مثلًا على أهمية الحرب النفسية الإعلامية التي تجيدها إسرائيل، والتي تشنها علينا وعلى الأمة العربية، وضرورة مجابهتها بإيمان وثقة.

في عام ١٩٦٨ واجهت (فتح) مشكلة خطيرة جدًا، فقد رفضت القواعد والمجموعات الفدائية القيام بعمليات زرع الألغام داخل الأراضي المحتلة لمدة ثلاثة أشهر، وكان ذلك بعد حملة قامت بها بعض الصحف العربية على هذا الأسلوب من العمل مقللة من أهميته، مما أثر على نفسية مقاتلينا.

وعندما توجهت إلى الاتحاد السوفييتي برفقة الرئيس جمال عبد الناصر والشهيد عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري الراحل، كان الشهيد رحمه الله يقول لي: (عليكم باللغم، عليكم باللغم) فلا شيء يؤثر على معنويات جيش العدو ويتمكن من إرباكه ويعطل حركته مثل اللغم، إنه من أهم وأخطر الأسلحة التي يمكن استعمالها، فهو يربك العدو ويجهده ويلحق به خسائر تزيد آلاف أضعاف تكاليف اللغم، إن عشرة ألغام ثمنها مئة دينار تشغل ٧٥ بالمئة من دوريات العدو العسكرية والهندسية ساعات طويلة في البحث عنها، وفي النهاية يصيبها ولو لغم واحد منها، بخسارة يتراوح مقدارها بين ١٥ و٣٥ ألف دينار.

وإني لا أشك إطلاقًا بأن الذي أثار هذا الموضوع في الصحافة العربية شخص مأجور للاستعمار والصهيونية، وكان المقاتلون يقولون: (نريد المواجهة، نريد القتال، لا نريد زرع الألغام ثم الانسحاب)، هذا على الرغم من أن زرع الألغام لا يكبدنا خسائر تتجاوز خمسة بالمئة.

س - ماذا عن الجندي الإسرائيلي الذي أسرته قوات (فتح) في مستعمرة المطلة؟

ج - إنه أول الغيث، وعلى السلطات الصهيونية أن تفاوض الهلال الأحمر الفلسطيني بواسطة الصليب الأحمر الدولي، وليس بواسطة أجهزتها الرسمية، ولن نسلمه إلا عن هذا الطريق.

لقد قال موشيه دايان في قرية حلحول بقضاء الخليل قبل أسبوعين: (إما نحن وإما فتح)، ونحن نقول: إن (فتح) ستحكم على أنقاض الكيان الصهيوني المجرم والمنازل التي نسفوها، أما غزة فالفدائيون يحكمونها بالليل، كما تحكمها إسرائيل في النهار، وهذا أمر تعرفه إسرائيل جيدًا.

المراجع: الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 28، 29، 30.

صحيفة الأنوار، بيروت، 20/1/1970.