الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول بعض النقاط الأساسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول بعض النقاط الأساسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

س - عرضت «فتح» على اليهود في فلسطين حلًا بديلًا، ألا وهو خلق دولة تقدمية ديمقراطية للجميع، فكيف توفق بين هذا وبين شعار «لتعش فلسطين عربية حرة»؟

ج - الدولة الديمقراطية التقدمية في فلسطين لا تتعارض مع كون تلك الدولة عربية، إن العوامل الاجتماعية والجغرافية والتاريخية تقوم بدور رئيس في تقرير طبيعة أي دولة وهويتها، وكل من حاول أن ينظر إلى المشكلة الفلسطينية في إطارها التاريخي يدرك أن الدولة الصهيونية قد فشلت في جعل نفسها مقبولة؛ لأنها دولة أجنبية خلقت خلقًا غير طبيعي وسط العالم العربي.

اكتسبت فلسطين هويتها بالتطور التاريخي للمنطقة، ويستحيل على أية دولة فلسطينية أن تعتزل عن محيطها الجغرافي، وقد ثبت تاريخيًا أن أية دولة قامت على أرض فلسطين وكانت أجنبية من المنطقة لم تستطع البقاء.

زعموا أن السبب الأساسي لتأسيس دولة إسرائيل هو إيجاد حل للمشكلة اليهودية، ولكن تجربة السنوات العشرين الماضية أثبتت أن قدرة هذه الدولة على الاستيعاب كانت غير كافية لحل مشكلة الستة عشر مليون يهودي في العالم، كان على الحركة الصهيونية، نتيجة ذلك أن تختار أحد أمرين: إما أن تتبع سياسة توسعية تمكنها من استيعاب يهود العالم جميعًا، أو أن تعترف بفشل تجربتها وتحاول إيجاد حل لأولئك اليهود الذين انتزعوا من جذورهم في بلاد المنشأ ليستوطنوا أرض فلسطين.

لقد عرضنا حلنا، إنه خلق دولة ديمقراطية فلسطينية لكل من يرغب في العيش بسلام في بلد السلام، إن دولة كهذه لن تحصل على الاستقرار والقدرة على الحياة إلا إذا كانت جزءًا من المنطقة المحيطة بها وهي المنطقة العربية، وإلا أصبحت هذه الدولة بمواطنيها اليهود والمسيحيين والمسلمين مظهرًا آخر أجنبيًا وموقتًا يثير عداء جيرانه تمامًا، كما فعلت الدولة اليهودية الأولى ودولة الصليبيين، فلم تدم أي منهما أكثر من سبعين عامًا.

إن كلمة (عرب) تتضمن حضارة مشتركة، ولغة مشتركة، وماضيًا مشتركًا، وأكثرية سكان أية دولة تقوم في فلسطين في المستقبل ستكون من العرب، إذا اعتبرنا أن هناك الآن 2500000 عربي فلسطيني بين مسلم ومسيحي، 1250000 يهودي عربي يعيشون الآن فيما يدعى دولة إسرائيل.

س- إن الهدف المباشر لحركتكم هو تحرير وطنكم، فما هي أهدافكم البعيدة بعد تحقيق التحرير؟ وكيف تتصورون دولة فلسطين المقبلة؟

ج - إن هدف «فتح» المباشر، كما ذكرتم تمامًا، تحرير فلسطين تحريرًا كليًا من الصهيونية، وتحطيم أية فكرة عنصرية أو طائفية قد تكون موجودة بين العرب، وبناء على ذلك فإننا نعتقد أن الطريق الوحيد لإدراك هدفنا هو التغلب على خلافاتنا وتحقيق الوحدة الوطنية.

إن كفاحنا في مرحلته الحاضرة إنما هو كفاح في سبيل البقاء واستعادة هويتنا الوطنية، إننا نهدف في النهاية إلى تأسيس دولة مستقلة تقدمية ديمقراطية في فلسطين، تضمن حقوقًا متساوية لجميع المواطنين بصرف النظر عن العرق أو الدين.

نريد أن نحرر اليهود من الصهيونية، ونجعلهم يدركون أن الغاية من خلق دولة إسرائيل، ألا وهي إعداد مأوى لليهود المضطهدين، قد ألقتهم بدلًا من ذلك في "غيتو" من صنع أنفسهم، نريد أن نساعد على بناء مجتمع تقدمي قائم على الحرية والاستقلال للجميع، كذلك نهدف إلى المساهمة بصورة فعالة في أي كفاح يقوم به أي شعب عربي لتحقيق الحرية، وإلى المساعدة على بناء المجتمع العربي التقدمي المتحد في المستقبل.

إننا نؤيد كفاح كل الشعوب المظلومة في العالم، ونؤمن بحق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، لا ندري كم سيطول كفاحنا حتى يتم تحرير وطننا، قد يكون ذلك سنوات قليلة، أو ربما عشر سنوات، وللجيل الذي سيحرر فلسطين أخيرًا أن يقرر بناء دولته.

س - كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني قادرة لا ريب على إيجاد ثغرة فيما كان ميدانًا صهيونيًا في الحركات اليسارية الغربية، وأصبحت «فتح» في نظر الكثيرين مرادفة للقتال في سبيل الحرية، وتعبيرًا عن الكفاح ضد الظلم في كل مكان، ومع ذلك فإن وسائل الدعاية الصهيونية تحاول تشويه سمعتها، باتهامها بقبول المساعدة مما دعته «مصادر رجعية»، فما قولكم في ذلك؟

ج - تقبل ثورتنا المساعدة، سواء أكانت تقنية أم مادية أم عسكرية، من جميع المصادر، إننا نلتمس التأييد من جميع أولئك الذين يرغبون في رؤية فلسطين محررة من الصهيونية، على أن يكون ذلك التأييد دون قيد أو شرط، إننا نتصل على صعيد المساواة بأولئك الذين يرغبون في رؤية الأماكن المقدسة، أو بأولئك الثوريين في إفريقيا وآسيا وإمريكا اللاتينية، الذين يعتبرون كفاحنا جزءًا من الكفاح ضد الظلم في كل مكان.

لقد كونا روابط متينة بالحركات التحررية في العالم كله، في كوبا والصين، في الجزائر وفيتنام، ويجب ألا ننسى أن علينا في حرب التحرير أن نستعمل كل مصدر ووسيلة متوفرين يساعداننا على الوصول إلى هدفنا النهائي، أي تحرير وطننا، وأود أن أشير أيضًا إلى أن الشعوب الأخرى التي دخلت حرب التحرير قد اتبعت نفس الطرق، فجبهة التحرير الوطني في فيتنام مثلًا، تضم ثلاثًا وعشرين منظمة مختلفة من الكاثوليك والبوذيين والشيوعيين.

أيمكن لأحد أن يتهم الثورة الفيتنامية بأنها قوة رجعية؟ أضف إلى هذا أن من حق الثورة الفلسطينية في قيامها بقيادة الكفاح ضد الصهيونية، ومنع أي عدوان آخر على بقية العالم العربي، أن تستعمل جميع المصادر المتوفرة في العالم العربي.

س - إن مشاريع التسوية السلمية لما يدعى الصراع العربي الإسرائيلي-كما يبدو-سائرة بسرعة، نتيجة محادثات الدول الأربع الكبرى، وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي متحمس لفرض الحل، فكيف سيكون رد فعل (فتح) أو بالأحرى ما ستعمل؟

ج - اختار مجلس الأمن في الأمم المتحدة والدول الأربع الأخرى أن تدعو حلولها «سلمية»، مع أنها في الواقع حلول سياسية لا علاقة لها بالسلم أبدًا؛ لأنها جميعًا تهدف إلى حماية دولة إسرائيل وتجاهل الثورة الفلسطينية، لذلك نعلن أننا لن نقبل بحال من الأحوال أيًا مما يدعى حلًا سلميًا تضعه الدول الكبرى، أو الدول الصغرى، إننا نعتبر أي تسوية من هذا القبيل وثيقة عار يطلب من قومنا أن يقبلوها بالقوة.

إني أعتقد أنه إذا كان جيلنا غير قادر على تحرير الوطن، فإن عليه ألا يرتكب جريمة القبول بالأمر الواقع، الذي سيمنع الأجيال القادمة من مواصلة الكفاح في سبيل التحرير.

والعجيب أن الدعوة إلى ما يدعى التسوية السلمية لم تبدأ إلا حين بدأ العدو الصهيوني يشعر بالضربات تنزلها به ثورتنا.

وأود أن أذكر حقًا أن الرئيس جونسن، بعد حرب حزيران (يونيو) ١٩٦٧ مباشرة، حين سئل عن مشكلة الشرق الأوسط أجاب:  (أهناك مشكلة؟)، ويثبت هذا أن المشكلة لا توجد إلا حين تعتبرها إسرائيل موجودة، وما دامت إسرائيل دولة غازية عنصرية فاشستية فإنها ستكون مرفوضة، فلا يفكرن أحد أن أي قرار يتخذ ضد إرادة الفلسطينيين يمكن أن يحظى بالبقاء أو الشرعية.

لقد انتظرنا يقظة الضمير العالمي عشرين عامًا، فكان ذلك على حساب من السنين، وأود أن أقول هذا: إننا لا نحظى في هذا الأمر بتأييد الجماهير الفلسطينية فحسب بل بتأييد الجماهير العربية جمعاء أيضًا، وعلينا ألا ننسى أيضًا أن حركتنا بدأت قبل الخامس من حزيران (يونيو) ١٩٦٧، وكان غرضها تحرير فلسطين، ولن نلقي سلاحنا حتى النصر مهما يكن من يقف في طريقنا.

س - أعلنت حركتكم في أكثر من مناسبة أنها لن تتدخل في شؤون البلاد العربية الأخرى، ألا ترى نظرًا إلى التطورات الأخيرة في بعض البلاد العربية المجاورة، أن هذه السياسة يجب أن تنقح وخصوصًا لأن هذه التطورات تهدد الثورة الفلسطينية؟

ج - لن نتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي إذا كانت بدورها لن تضع العراقيل في طريق ثورتنا أو لن تهدد استمرارها.

س - أنكرت جولدا مايير، في آخر زيارة قامت بها لبريطانيا، وجود شعب فلسطيني أو حركة مقاومة فلسطينية، فما هو جوابك؟

ج  أنكر سلفها ليفي أشكول أيضًا وجودنا مدة طويلة جدًا، بيد أنه اعترف، قبل موته في مقابلة مع مجلة نيوزويك الأمريكية أننا موجودون، وادعى موشي دايان في سنة ١٩٦٧ أن المقاومة الفلسطينية كانت كبيضة في يده يستطيع سحقها في أي وقت، لكنه نصح الإسرائيليين في سنة ١٩٦٩ أن (يعمقوا قبورهم)، لذلك فإن جوابنا لجولدا مايير ولكل من يشك في وجودنا أنه يستطيع أن يجد الجواب في أعمالنا داخل الأراضي المحتلة، سواء أكان ذلك في حيفا أو القدس أو تل أبيب أو إيلات أو سواها، ثم إنك تقيم الآن بيننا ويمكنك أن تحكم ما إذا كانت حركة المقاومة الفلسطينية موجودة أو غير موجودة.

س - ما هي منجزات «فتح» بالإضافة إلى الميدان العسكري؟ مثلًا في ميادين أخرى لتحرير المرأة وتربية الأطفال، والخدمات الاجتماعية وغيرها؟

ج -  بما أن ثورتنا تقدمية فإننا نرى أن يتمتع أعضاء مجتمعنا جميعًا، رجالًا ونساء، بحقوق متساوية، لذلك نشجع تحریر نسائنا جميعًا تحريرًا تامًا، ونحاول أن نعطيهن كل فرصة للمساهمة فعلًا في كفاحنا، لقد حاربت المرأة الفلسطينية منذ أيام الانتداب مع رجالنا جنبًا إلى جنب، وأخواتنا الجريئات هن اللواتي يقدن المقاومة المدنية الآن في الأراضي المحتلة ضد القوى المحتلة.

لا نضع أية عقبات أو قيود في وجه أي امراة ترغب في الانضمام إلى حركتنا، والواقع أننا نشجعهن على الانضمام إلى كل حقولنا العسكرية والسياسية، أما تربية الأطفال فقد أنشأنا مدارس للبنات والصبيان، إن لدينا مراكز تدريب للأشبال، ومؤسسات للعناية بعائلات شهدائنا، وقد أسسنا مستشفياتنا وعياداتنا الطبية الخاصة، التي توفر معالجة طبية مجانية لسكان المخيمات المبعدين عن وطنهم، والحقيقة إننا نعرف أن كفاحنا طويل الأمد، ونحن نعد أنفسنا وفقًا لذلك.

س - هل تعتبرون كفاحكم جزءًا من الكفاح ضد الإمبريالية والاستعمار في كل مكان؟ ولماذا؟

ج - إن كفاحنا جزء أساسي من أي كفاح ضد الإمبريالية والجور والاضطهاد في العالم، إنه جزء من الثورة العالمية التي تهدف إلى إقامة العدالة وتحرير البشرية، إن أكبر تأييد يأتينا خارج الجماهير الفلسطينية والعربية، من جميع الشعوب المحبة للحرية التي أدركت الطبيعة الحقيقية للصهيونية، وارتباطها بالإمبريالية والاستعمار الجديد، وحلفاء إسرائيل الطبيعيون برهان كاف على ذلك، فما علينا إلا أن ننظر إلى التأييد الذي تتلقاه من الولايات المتحدة، وإلى ارتباطاتها الوثيقة بجمهوريتي جنوب إفريقيا وروديسيا العنصريتين.

أما علاقاتها بحكومة فييتنام الجنوبية الألعوبة، فدعنا نذكر فقط أن وزير دفاع إسرائیل، موشي دايان، قد وجد من الضروري والمفيد أن يقضي بضعة شهور هناك ليتعلم طرقها، ثم إن عدوان سنة ١٩٥٦ على مصر مثل آخر واضح جدًا للأسباب التي دعت إلى خلق دولة صهيونية في المنطقة، والخلاصة إننا نعتبر إسرائيل دولة تمثل في الشرق الأوسط من جديد دور شركة الهند الشرقية.

س - هل تقبلون غير فلسطينيين في قواكم المحاربة؟

ج - لدينا الآن في صفوفنا عرب وغير عرب من المحاربين في سبيل الحرية.

 

المراجع:

الوثائق العربية الفلسطينية، 1969، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 357، 358، 359.

فري بالستاين، المجلد الثاني، لندن، آب (اغسطس) ١٩٦٩، ص ۱.