حديث للسيد أحمد الشقيري حول سياسة منظمة التحرير الفلسطينية في المرحلة المقبلة
حديث للسيد أحمد الشقيري حول سياسة منظمة التحرير الفلسطينية في المرحلة المقبلة
أدلى السيد أحمد الشقيري بهذا الحديث في منزله ببلدة كيفون في لبنان
س- ما هو العمل الذي تقوم به منظمة التحرير في الوقت الحاضر، ويبرر استمرار وجودها؟
ج- إذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد انسحبت من مؤتمر الخرطوم فإن ذلك لا يعني انسحابها من ميدان النضال الوطني، ولكن المنظمة انتقلت من الجبهة الرسمية إلى جبهة العمل الشعبي، بعيدًا عن ارتباطات الحكومات العربية أو القيود المفروضة على القيادات العربية الموحدة، ولقد مضت على المنظمة أربعة شهور، منذ العدوان الإسرائيلي، جنحت خلالها إلى الصمت، إلا حينما تدعو ظروف القضية إلى تحديد موقف، وهذا يتطلب إصدار بيان أو تصريح، ولكن المنظمة رأت أن تدخل بعد العدوان الإسرائيلي الأخير إلى طور جديد يكون فيه للعمل السياسي نصيب صغير، وأن الواجب القومي يحمل المنظمة، في الظروف الحاضرة، على ألا تكشف عن خططها ولا عن أعمالها، والمهم على كل حال أن يثق كل فلسطيني وكل عربي بأن المنظمة مدركة لمسؤولياتها القومية في المرحلة الحاضرة، تخطط وتنظم وتعمل، ويكفي أن المنظمة تؤدي واجبها النضالي واضعة في خدمته كل طاقاتها، من غير ما حاجة إلى الإعلان عن خططها وأعمالها، ولا شك أن المنظمات الفلسطينية تقوم بدور فعال في دفع مسيرة الكفاح المسلح، وعلى كل حال فإن الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه هو قاعدة هذا الكفاح المسلح، إن الشعب الفلسطيني ذكي الفؤاد، نير العقل، ولا بد بذكائه وفطرته أن يعرف ماذا تفعل المنظمة؛ لأنه يعرف ما هو واجب المنظمة في الظروف الراهنة، وستكشف الأسابيع القليلة المقبلة عن أمور هامة بالنسبة للمنظمة.
س- لماذا لا يكون عمل المنظمة في مستوى تطلع الجماهير الفلسطينية؟
ج- مشكلة المنظمة الأساسية هي أنها بلا أرض وبلا سلطة، ومعنى هذا أنها بلا ولاء حقيقي، ونتيجته أنها بلا دور فعال.
ندخل الحزبيين إلى المنظمة فيتقاتلون داخلها لتشعب ولاءاتهم، ثم ندخل المستقلين بعد إخراج الحزبيين فتتهم المنظمة بالرجعية، وما دامت المنظمة بلا أرض ولا سلطة فستظل قدرتها على الحركة محدودة.
س- وإلى ماذا انتهت المنظمة بذلك؟
ج- أعترف بأننا فشلنا-حتى الآن-فشلنا من البندقية، إلى الهوية، إلى الإقامة.
س- كيف تصفون العمل المسلح الذي يجري الآن في فلسطين المحتلة؟
ج- إن العمل المسلح الذي يجري في فلسطين المحتلة في الظروف الراهنة يجب أن نعطيه اسمه الحقيقي وحجمه الطبيعي، وإنني لا أسميه العمل الفدائي، فالعمل الفدائي مرحلة سبقت الخامس من حزيران، ولكن الذي يجري الآن في فلسطين بأسرها من البحر إلى النهر هو ثورة شعبية مسلحة، يتولى الشعب الفلسطيني النهوض بكثير من مسؤولياتها القومية، ويصح اعتبارها المرحلة الأولى في الحرب الشعبية التحريرية، التي ستتطور إليها الأحداث قريبًا، وإن الأبطال من أبناء فلسطين، سواء من المقيمين في المنطقة المحتلة أو من الذين دخلوا إليها في الآونة الأخيرة، يسجلون شجاعة فائقة وبسالة نادرة؛ لأنهم يقومون بواجبهم النضالي في ظروف صعبة قاسية، ولكن شعب فلسطين قد تمرس بالنضال المسلح منذ خمسين عامًا، حينما انطلقت موجات الهجرة اليهودية الأولى إلى فلسطين.
س- إن بعض المسؤولين عن المنظمة متهمون، اتهامًا تسنده الوثائق، بمعاداة العمل الفدائي؟
ج- إن جميع الفدائيين الذين يقومون بالنضال المسلح، سواء كانوا ينتمون إلى منظمات معينة أو كانوا من الذين نظموا أنفسهم حديثًا في المنطقة المحتلة، جميع هؤلاء جديرون بإعجاب الشعب الفلسطيني وتقدير الأمة العربية؛ لأنهم يقومون بأعمال بطولية خارقة وليس هذا وقت جدال حول ماهية المنظمات الفلسطينية فنحن الآن في مرحلة نضال، ويجب أن تتجمع كل القدرات الفلسطينية والطاقات النضالية في ميدان المعركة، بعيدًا عن القيل والقال، وإن المنظمة ليست في ظروف يمكنها بأن تقول أكثر من هذا في الوقت الحاضر، (وقال رئيس المنظمة "للحوادث" إنه وقف يدافع عن العمل الفدائي الفلسطيني في مؤتمرات القمة العربية، وفي لقاءاته بالحكام العرب، كما قام بمحاولات لتوحيد القيادات العسكرية للمنظمات الفدائية، وروى أنه عندما قامت منظمته قبل أربع سنوات عرض الرئيس الجزائري بن بيلا عليه فكرة إقفال مكتب منظمة "فتح" في الجزائر، إلا إنه رفض هذا العرض، وطلب من الرئيس الجزائري الإبقاء على المكتب، ريثما يصبح لمنظمة التحرير الفلسطينية كيانها، وتنظيمها، ومكاتبها،
وأضاف أن التهجمات على العمل الفدائي من قبل بعض رجال المنظمة مبعثها التناقضات داخل المنظمة، وأن مواجهة هذه التهجمات من قبل المنظمة لا يفيد فيها صرف المعنيين).
س- لماذا لا تتوحد المنظمات الفلسطينية، خصوصا وأن التناقضات بينها أقل من التناقضات داخل بعضها؟
ج- أريد للرأي العام الفلسطيني والعربي أن يطمئن إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تتخلف عن واجبها القومي في توحيد العمل النضالي، وقد قطعت في هذا المجال شوطًا كبيرًا، هو الآن في طريقه إلى الخطوات العملية، التي يتوجها شعار وحدة النضال المسلح، وإنني واثق من وطنية المناضلين جميعًا، ولا شك أن ميدان المعركة سيجمع المناضلين جميعًا؛ لأن الشعب الفلسطيني متفق على الهدف والطريق: الهدف إزالة العدوان وتحرير فلسطين، والطريق هو الكفاح المسلح، ولهذا لا داعي لأن نختلف في ميدان المعركة.
س- ما هي نقطة الخلاف بين منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة "فتح"؟
إن منظمة التحرير الفلسطينية تقول بضرورة تحرير أرض عربية وإقامة "فيتنام شمالية" عليها شرطًا لنجاح أي عمل فلسطيني لتحرير فلسطين، وهي تدعو منظمة "فتح" للتعاون على تحقيق هذا، إلا إن "فتح" تصر على أن ساحة عملها هي الأرض الفلسطينية المحتلة أولًا وأخيرًا، ثم إن قادة "فتح" يرفضون"، في أي مباحثات توحيدية، اعطاء معلومات عن منظمتهم محافظة على سرية نشاطهم، ولما حاولنا تخطي هذه العقبة، عن طريق التوزيع الهدفي أو التوزيع الجغرافي للعمليات العسكرية، لم يؤد عرض المنظمة هذا إلى أية نتيجة إيجابية.
س- إلى أي حد أنتم مستعدون للتعاون مع منظمة "فتح"؟
ج- إن منظمة التحرير الفلسطينية تتمنى أن تقوم منظمة فلسطينية قوية واحدة، وهي على استعداد لأن تعطيها كل ما لديها من سلاح، ومال، ومكاتب.
س- أنت متهم بإعطاء تصريحات تسيء إلى القضية فبماذا ترد؟
ج- ليست التصريحات أو السياسة الإعلامية هي التي جعلت العرب يخسرون المعركة، وإنما سقوط زمام المبادرة العسكرية من أيديهم، لقد صرح وايزمان قبل عشرات السنين، يوم كان عدد السكان اليهود في فلسطين لا يتجاوز 10 بالمئة، أنه لا بد من قيام وطن يهودي في فلسطين، ورفعت الصهيونية، قبل عام 1948، شعار من الفرات إلى النيل أرضك يا "إسرائيل" ، وأعلن ابا ايبان، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، أن جميع دول الأمم المتحدة، البالغ عددها مئة وإحدى وعشرين دولة، لا تستطيع إجبار "إسرائيل" على تنفيذ قرار لا تريده، فهل كانت كل هذه التصريحات مقولة في أوقاتها؟
س- هل ما زالت الدول العربية الثورية تساهم بحصصها في ميزانية المنظمة؟
ج- قبل العدوان بأربعة أشهر، وبعد العدوان الذي مضت عليه أربعة أشهر أخرى، لم تف دولة عربية واحدة، لا ثورية ولا رجعية، بالتزاماتها المالية تجاه المنظمة.
س- المنظمة متهمة بتبديد أموالها على عمليات جانبية، فما هو ردكم؟
ج- هل لك أن توضح أكثر؟
س- إنكم متهمون بصرف مبلغ خمسين ألف جنيه إسترليني، قبل عدوان الخامس من حزيران، على عملية سياسية فاشلة.
ج- لقد اقتضى الواجب أن نساهم في تلك العملية، وكان أي تخلف عن المساهمة فيها تخاذلًا وربما انحرافًا، وكون العملية فشلت لا يبرر القول إن الأموال التي رصدت لها قد بددت.
س- هل يمكن إعطاء المعنى العام لرحلتيكما الأخيرتين إلى القاهرة ودمشق؟
ج- لم تكن لهاتين الرحلتين أي علاقة بالأمور السياسية؛ لأنه ليس للمنظمة مع الدول العربية بعد مؤتمر الخرطوم أي تعاون سياسي، ولقد كان هدف هذه الزيارة التسهيل لكل ما يتعلق بالكفاح المسلح للشعب الفلسطيني.
س- ما هي النتيجة المرجوة في اعتقادكم من عرض قضية إزالة آثار العدوان على الأمم المتحدة؟
ج- إن شعب فلسطين ليس عضوًا في الأمم المتحدة، ولا يلتزم بقراراتها ولا بقرارات مجلس الأمن، وإذا كانت للدول العربية ظروف فرضت عليها وقف إطلاق النار فإن هذه الظروف لا تنطبق على الشعب الفلسطيني، بل إن ظروف القضية الفلسطينية تفرض على الشعب الفلسطيني ألا يلتزم بوقف إطلاق النار، وأن يمضي في الكفاح المسلح إلى النهاية، ذلك ما يفرضه الشعب على نفسه، فماذا يفعل شعب يقع وطنه تحت الاحتلال؟ إما أن يرضخ ويستسلم، وإما أن يحمل السلاح ليظهر على الأقل للعالم أجمع أنه يرفض الاحتلال، ثم إن الجهد العربي السياسي في الظروف الحاضرة قد صب طاقاته في الأمم المتحدة، ولكن لا يخفى أن الأمم المتحدة ليست إلا منبرًا عالميًا، وأريد أن يدرك كل مواطن عربي وكل مواطن فلسطيني، أن الأمم المتحدة ليست محكمة تفصل في الخلافات ثم تصدر قراراتها ثم تعمد إلى تنفيذها، هناك وهم كبير بأن الأمم المتحدة تستطيع أن تزيل آثار العدوان إلا أن العدوان وقع بالقوة ولا يزول إلا بالقوة، والموقف العربي واضح كل الوضوح لرجل الشارع، ليس في حاجة إلى تحليل عبقري، إن الموقف العربي في الأمم المتحدة لا يعتمد إلا على قوة الكلمة وعلى المنطق، وهذه أسلحة لا تصلح في الأمم المتحدة، وإن هذه الشعارات الجديدة التي انطلقت بعد النكسة، تحت اسم الواقعية والإيجابية والمرونة السياسية، قد جربت على منبر الأمم المتحدة في الأسابيع الثلاثة الماضية، فما ازدادت "إسرائيل" إلا عنادًا، وما ازدادت الولايات المتحدة إلا شراسة وضراوة، وما ازدادت الأمم المتحدة إلا ضعفًا وخورًا، والسبب في ذلك واضح: كان عند العرب أسلحة قبل مؤتمر الخرطوم ثم أعيدت هذه الأسلحة إلى أغمادها، ومنها حبس البترول، وسحب الأرصدة، وقطع العلاقات السياسية والثقافية مع دول العدوان، وتأميم المؤسسات الأجنبية، كل هذه الأسلحة أقفل عليها في أغمادها، وذهبنا إلى الأمم المتحدة وليس في حقائبنا إلا خطب قانونية، طابعها الإيجابية والدبلوماسية، ولهذا، فإن النتيجة واضحة، ليست واضحة الآن ولكن منذ زمان؛ لأن الأمم المتحدة ليست خافية على أحد، النتيجة إنها مع مجلس الأمن لن تنتهي إلى قرار بجلاء القوات الإسرائيلية، ولولا النضال الفلسطيني المسلح، الذي تتوالى أنباؤه في هذه الأيام، لكانت الوفود العربية في الأمم المتحدة تعالج قضية استسلم شعبها ورضخ للأمر الواقع، ويبقى على الدول العربية أن تعود إلى ميدان الطريق الصحيح لإزالة آثار العدوان، خارج الأمم المتحدة.
س- ما هي، باعتقادكم، جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية في إزالة آثار العدوان؟
ج- إن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على إرغام "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي العربية، أمريكا تقدر على هذا، لا بوصفها عضوًا في الأمم المتحدة ولكن بوصفها الدولة الأم لـ"إسرائيل"، التي تتولى تسليحها وتمويلها ودعمها في المجالات السياسية والدولية، ومن المؤسف أن الدول العربية لم تواجه الولايات المتحدة بالمواقف الحاسمة، التي تحمل الولايات المتحدة على الاستجابة للمطالب العربية.
س- أي ردة فعل وطنية كانت مطلوبة من الدول العربية على الهزيمة؟
ج- لقد كان الجواب الطبيعي بعد هذه النكسة التي حلت بالأمة العربية أن يبادر فورًا إلى قيام الدولة العربية المتحدة، بين الدول العربية التي تسمح لها ظروفها بقيام الوحدة، لقد حلت بالأمة ثلاث كوارث عسكرية في عشرين عامًا وكان سببها واحدًا: الأمة على رأسها ثلاث عشرة دولة وعلى رأس "إسرائيل" دولة واحدة، الأمة عندها ثلاثة عشر وزير دفاع، و"إسرائيل" عندها وزير دفاع واحد، إنه موشيه دايان، الأمة لديها ثلاثة عشر وزير اقتصاد، ولدى "إسرائيل" وزير اقتصاد واحد، الأمة لها ثلاثة عشر وزير إرشاد وتوجيه قومي و"إسرائيل" لها وزير واحد، ولا يمكن للأمة العربية أن تنتصر، أو أن ترد العدوان، قبل أن يصبح لها وزير واحد للشؤون العسكرية، وواحد للشؤون الاقتصادية، وواحد للخارجية، وواحد للتوجيه القومي، وليس يكفي أن نقول إننا مئة مليون عربي في مواجهة مليوني إسرائيلي، فإن طاقات المئة مليون، وثرواتهم، وقواهم الروحية، وحياتهم القومية مبددة؛ لأن على رأس المئة مليون ثلاث عشرة حكومة، وقد يقول قائل إن الشغل الشاغل للأمة الآن ليس الوحدة وإنما إزالة آثار العدوان، والجواب بسيط، حتى إزالة آثار العدوان لن تتم إلا بالوحدة العسكرية، لقد أظهرت الكوارث العسكرية الثلاث أن تجربة الجامعة العربية فشلت، وأن تجربة معاهدات الدفاع المشترك فشلت، ولم يعد أمامنا إلا الوحدة، وهذا ما دعا المنظمة إلى تقديم مشروع كامل عن الدولة الوحدوية إلى مؤتمر الخرطوم.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية، 1967، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 814، 815، 816، 817، 818.
الحوادث، بيروت، 13/10/1967.